في مشهد يختزل مفارقات التدبير المحلي بمدينة مراكش، تنظم الجماعة لقاءً تواصليًا تحت عنوان “مالية جماعة مراكش: الواقع والتحديات”، بينما الواقع اليومي للمدينة وملفها المالي يطرحان أسئلة محرجة تتجاوز عناوين العروض وشعارات التواصل إلى عمق الاختلالات البنيوية التي وسمت تدبير المجلس الجماعي خلال الأربع سنوات الماضية.
كيف يمكن الحديث عن “الواقع” و“التحديات” ومدينة مراكش ترزح تحت وطأة تدبير مرتجل، ومالية جماعية تُناقَش في القاعات المغلقة بمنطق التبرير لا بمنطق المحاسبة؟ وكيف يُنتظر من نائب عمدة مدينة مراكش المنتمي لنفس الحزب الذي يقود الجماعة ، أن يؤطر نقاشًا حول مداخيل الجماعة وإكراهاتها، وهو يقطن ويشتغل كموظف بمدينة فاس، ولا يحضر دورات المجلس إلا نادرًا؟ بأي معطيات، وبأي معرفة ميدانية، وبأي شرعية سياسية يُخاطَب الرأي العام المراكشي؟
إن ما تعيشه مراكش اليوم ليس أزمة مالية فقط، بل أزمة نخب قبل كل شيء. نخب أفرزها القاسم الانتخابي المشؤوم، فجاءت بأغلبية عددية بلا وزن سياسي، وبمجلس بلا معارضة تُذكر، سوى استثناءات معدودة لمستشارين اثنين اختارا إزعاج “الانسجام المعلّب” للمجلس وهما السيد عبد الرحيم تاق تاق عن حزب الحركة الشعبية، و السيد مولاي مصطفى مطهر عن حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، اللذان لا يزالان يرفَعان الصوت حيث ابتلع الآخرون ألسنتهم.
الأدهى من ذلك أن نقاش مالية الجماعة لم يعد ينطلق من تشخيص واقعي لحاجيات المدينة وساكنتها، بل من منطق “ما يُملى” على المسؤولين عن هذه الأموال، إرضاءً وتوددًا لجهة واحدة باتت تمسك بخيوط المصير السياسي لعدد من المنتخبين. منتخبون انبطحوا، وتخلوا عن أدوارهم الرقابية، وجعلوا من أنفسهم أدوات طيّعة لخدمة “بنت الباشا”، خشية غضبها، وطمعًا في البقاء داخل الخارطة السياسية المستقبلية لمراكش.
يا للعجب! ويا للأسف! مجلس جماعي بأعضاء بلا صوت ولا لون ولا موقف، و أحزاب تحوّل انتماؤها إلى مجرد قنطرة للوصول، لا إلى مرجعية للمساءلة أو الاختلاف. منتخبون اصطفوا خلف عمدة غائبة، يسبّحون بحمدها ويمجّدون حضورها الرمزي رغم غيابها الفعلي، وكأن المدينة تُدار بالظل لا بالفعل، وبالولاء لا بالكفاءة.
بهذه النخب، هل يمكن لمراكش أن تستعيد بريقها؟ هل هكذا نرتقي بمدينة كانت عالمية، قبل أن يخفت نورها تحت وطأة الغياب، والانبطاح، وتغييب السياسة بمعناها النبيل؟
إن مراكش لا تحتاج إلى لقاءات تواصلية مُنمّقة بقدر ما تحتاج إلى شجاعة سياسية، ونخب مستقلة القرار، ومعارضة حقيقية، وتدبير مالي شفاف يُخاطب عقول المراكشيين لا يراوغهم. وما لم يحدث ذلك، ستبقى مثل هذه اللقاءات مجرد ستار رقيق يُخفي عُري الواقع.