انهيض يوسف
في الماضي، كانت البحاير تمتد أمام أعيننا، خزّانات حياة تسقي الأرض والناس، وكان العين منبعًا صافيا نرتوي منه ونغسل به قلوبنا قبل وجوهنا. هناك، كانت خطواتنا الصغيرة ترسم طريقًا بين السواقي، وأصوات النساء وهنّ يملأن الجرار تشهد أن الماء كان بركة لا مجرد حاجة.
في تلك الأيام، عاش بيننا او قبلنا جيل من أبناء البلدة، جيلٌ لم يعد الجيل الجديد يعرفه كما ينبغي. جيلٌ خرج من هذه الأرض، وشارك في كل تفاصيلها: جلس على حافة الساقية، وجرى في أزقتها الترابية، وذاق خبز الفران البلدي، وعاش البساطة في أبهى صورها. لكنه لم يقف عند حدود البلدة، بل حملها معه حيثما ذهب.
كان منهم الفلاح الذي ارتوى بعرقه زرعُ البلدة، والعسكري والدركي الذين حموا الوطن بعزيمة، والمعلم الذي كتب الحروف الأولى على الألواح، والطبيب الذي مسح دموع المرضى، والمهندس الذي خطّ لبنات البناء، والصحفي الذي أوصل صوت البلدة إلى أبعد مدى، والفقيه والإمام اللذان غرسَا الإيمان في القلوب، والصانع التقليدي الذي ترك من أنامله وشمًا على ذاكرة المكان، وغيرهم كثير ممن حملوا سيدي المختار في قلوبهم مهما تباعدت بهم السبل.
كانت البلدة يومها تحمل البساطة في كل تفاصيلها: مواسم تعجّ بالفرح، وأزقة يختلط فيها الغبار برائحة الخبز الطالع من الفران، وليالٍ يسكنها دفء القلوب أكثر مما يسكنها ضوء الكهرباء. كانوا يعيشون بيننا، ويصنعون لنا تاريخًا لا يُكتب بالحبر فقط، بل بالعرق والوفاء.
واليوم… صارت البحاير أطلالًا، والعين كأنها تئن من العطش، والذاكرة وحدها من تفيض. صار السوق الأسبوعي القديم يردد أنين الناس أكثر مما يردد أصوات الباعة، وصارت الخلافات تسبق النيات. وجعٌ لا يخطئه القلب… كأن الزمن يجرّ البلدة إلى الخلف، فيما العالم يجري مسرعًا إلى الأمام.
لكن، ورغم كل هذا، يبقى ذلك الجيل شاهدًا على أن سيدي المختار أنجبت رجالًا ونساءً عرفوا معنى العطاء، وأنها قادرة أن تُنبت من جديد جيلًا يحمل الراية.
فالحنين يحيا فينا، ويذكّرنا أن هذه الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل أمومةٌ تأبى أن تتخلى عن أبنائها. قد تجفّ البحاير، وقد تضعف العين، لكن ماء الانتماء لا ينضب.
سيدي المختار… أنتِ الوجع والذاكرة، وأنتِ الحلم الذي نُصرّ أن نعيد له الحياة.