قلق في المدرسة !
بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
يعيش الذين كادوا أن يكونوا رسلا حالة من القلق، بسبب شعورهم بالخوف على سلامتهم الجسدية، بل أكثر من ذلك، على حياتهم، بعدما تحولت المدرسة، في نظرهم، إلى مكان غير آمن.
شجار عنيف بين تلاميذ، أسفر عن إصابة خطيرة لمدير مدرسة بطنجة، استدعت نقله إلى قسم العناية المركزة، ومدير مؤسسة تعليمية باليوسفية فاضت روحه بسبب أزمة قلبية، بعدما لم يستسغ إهانة تعرضه للضرب والجرح على يد تلميذ، وثالث ببني ملال، ورابع هنا، وخامسة هناك، واللائحة طويلة، لكن يبقى قتل تلميذ لأستاذته، في أرفود، أسوأ ما قد يقع لمجتمع على الإطلاق
هذا هو وجهنا القبيح كما عكسته مرآة الواقع، بعد أن زالت كل المساحيق، فظهرت تشوهاتنا واضحة، وصرنا نخجل من أنفسنا، ولم نعد نقوى على أن نعاود النظر لما أدركنا بشاعتنا، وأن إنتاجاتنا ليست من أجيال «قم للمعلم وفه التبجيلا»، بعد أن فقدت بوصلة القيم، وصار احتواؤها عملية معقدة، بسبب كميات العنف الكبيرة المتراكمة داخلها، والتي تتفجر، بين الفينة والأخرى، بشكل مأساوي وفظيع.
لا مجال للدخول في اتهامات متبادلة. كلنا مسؤولون عن هذا الوضع، وبتنا مطالبين جميعا، كل من موقعه، بالإسهام لمحاصرة هذا الخراب الداهم الذي بدأ ينخر أساس المجتمع مهددا كل البنيان بالانهيار.
صحيح الظاهرة معقدة لكونها تعرف تقاطعات كثيرة، وبذلك تحتاج إلى عمل جماعي كبير، ومهما كانت التبريرات، فإن ذلك لا يعفي الأسرة والمدرسة من مسؤولية ما يجري اليوم من عنف مدرسي، باعتبارهما يشكلان النواة الصلبة في أي تنشئة اجتماعية والمرافقان الهامان للأطفال، في مراحل حساسة لتكوين الشخصية، فأي اختلال في وظائفهما يؤدي حتما إلى نتائج كارثية.
وإذا كانت الأسرة هي الفضاء الأول الذي يتعلم فيه الطفل أولى كلماته، ويتشرب فيه القيم الأساسية للمجتمع، فلا أحد يجادل في أن دورها تراجع، لأسباب كثيرة من بينها «وجع لقمة العيش»، الذي فرض عليها تحولا قسريا على بنيتها، وتقلص ساعات التنشئة الاجتماعية داخل البيت، وترك الأطفال في أياد، في الأغلب الأعم، غير آمنة، وأمام توالي ضغوطات الحياة في مجتمع استهلاكي، ألقت الأسر وتخلت عن جزء كبير من دورها في التربية، فألقت بذلك حملا ثقيلا على كاهل المدرسة، الأمر الذي عقد مهمتها في أداء رسالتها على أحسن وجه.
غير أن تعويل الأسر على المدرسة اصطدم بتراجع دورها هي الأخرى، وانكماش فضائها، نتيجة غياب الأنشطة الموازية الثقافية والرياضية، والتي كانت تساعد التلاميذ على إثبات الذات بشكل سوي، وبالتالي تحولت المدرسة إلى فضاء أنسب لتفريغ شحنات العنف المتراكمة، فتنامى العنف ضد أطر التدريس والإدارة، وبلغ مستوى غير مسبوق، وصل حد القتل، وهو ما يعتبر مؤشرا خطيرا يتطلب تدخلا عاجلا.
ولا يمكن التعامل مع ما يقع داخل المدرسة على أنه حالات معزولة، بل هو ظاهرة يغذيها فشل مخططات الإصلاح ومواجهتها تتطلب مقاربة شمولية تدمج بين التوعية والزجر وإصلاح حقيقي للمنظومة التعليمية، وتعزيز الأمن المدرسي، وكذا عدم التطبيع مع جرائم التشهير التي يتعرض لها نساء ورجال التعليم في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام.
في النهاية، لا بد من التنبيه إلى أن العنف الذي نشأ في الأسر وتضخم في المدارس وانفجر في الشارع وامتد إلى المجتمع يلحق ضررا بليغا بالأمن العام، كما أنه يضع شرعية المؤسسات المالكة للعنف المشروع في المحك، وبالتالي، فإنه آن الأوان لمراجعة المقاربة الناعمة، من خلال التعاطي مع الظاهرة، على الأقل في مرحلة أولى، قبل مرحلة الحلول الجذرية التي يشارك فيها الجميع، لمحاصرة مد جارف قبل فوات الأوان …