قطر سنة 2017.. حركة دبلوماسية مكثفة وإجراءات عملية لبلوغ الاكتفاء الذاتي في الغذاء

قد يختصر أهل قطر، مواطنون ومقيمون، سنة 2017 في الستة أشهر الأخيرة انطلاقا من يونيو الماضي، حيث كان على قطر أن تواجه تحديات إقليمية وتجند دبلوماسيتها وتبلور خططا عاجلة في اتجاه تحقيق مطمح “الاكتفاء الذاتي”، خاصة على مستوى الغذاء والدواء وبموازاتها استكمال انجاز البنيات التحتية التحضيرية لاستضافة كأس العالم 2022.

وبالفعل مثل يوم خامس يونيو الماضي ما قد يكون، بحسب بعض المحللين، “مفترق طرق تاريخي” في حياة المنطقة الخليجية ككل، حين أعلنت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، ومصر، مقاطعتها لقطر وإغلاقها لحدودها البرية والبحرية والجوية أمام تنقل الأشخاص والبضائع من وإلى الدوحة، بتهمة دعم ورعاية الإرهاب وهي التهمة التي تنفيها قطر.

وكان لهذا الحدث تداعيات سياسية ودبلوماسية واقتصادية ما يزال يتردد صداها، خاصة على المستويين المحلي والإقليمي. ولعل من أهم تداعياته التحرك الدبلوماسي القطري المكثف لإبراز وجهة نظر الدوحة وللبحث عن تحالفات سياسية وعسكرية وأسواق جديدة للتبادل التجاري ولمواصلة مخططات التنمية الداخلية.

وبدا من أهم القرارات التي اعتمدتها الدوحة في مواجهة هذا المتغير الإقليمي إصرارها على دعوة جميع أطراف الأزمة الى الحوار بحثا عن حلول لها، في نفس الوقت الذي عملت فيه على الانفتاح على تحالفات وأسواق جديدة تكون بديلة، ولو مرحليا، الى حين انقشاع هذه الغيمة التي يتسع الأمل لدى الجميع، داخل الخليج وخارجه، في أن تكون عابرة وغير ذات تأثير على أواصر الأخوة والترابط الخليجي الذي يمثل أحد الأركان الأساسية لتماسك البيت العربي.

ونتيجة لهذا الجهد الدبلوماسي، وقعت الحكومة القطرية اتفاقيات تعاون ذات أبعاد سياسية واقتصادية ودفاعية مع مجموعة من الدول على رأسها الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا.

كما ركزت، في سياق ذلك، على تحقيق مزيد من الانفتاح الاقتصادي والتوسع الاستثماري، في ظل حرصها على “ضمان مرونة كافية لحركية الأموال في الداخل وصوب الخارج”، وتفادي آثار التذبذب الناجم عن انسحاب بعض رؤوس الأموال الخليجية من البورصة والبنوك المحلية.

وبالنتيجة، عمدت الى ضخ مزيد من السيولة في البنوك المحلية اعتمادا على صندوقها السيادي، البالغة أصوله الإجمالية حوالي 335 مليار دولار، وذلك لتعويض الأموال المنسحبة، مع الحرص على عدم التضييق أو التشويش على حركية توسعه الاستثماري في الخارج.
واتجهت الحكومة القطرية أيضا، في سياق تجاوز تداعيات هذه الظرفية الاستثنائية، الى وضع خطط وبرامج عاجلة للبحث عن أسواق جديدة لتزويد السوق الداخلية بما تحتاجه من غذاء ودواء ومواد بناء، وتوجيه دفة الاقتصاد لتشجيع المنتج المحلي والنهوض بالصناعة الدوائية وبالأنشطة الفلاحية من زراعة وتربية مواشي فضلا عن إقامة مشاريع للاستزراع السمكي؛ وذلك في خطوات لبلوغ نسب معقولة من “الاكتفاء الذاتي” على مستوى الغذاء والدواء.

وتمثل شعار مجمل جهود الحكومة القطرية لهذا العام في التأسيس ل”اقتصاد وطني متنوع” لا يكتفي فقط بمداخيل الصناعات الهيدر-كاربونية، وإنما يتوسع الى غيرها من الصناعات الأخرى ذات الطابع الاستهلاكي الملح، مع العناية في كل ذلك بمتطلبات الحفاظ على البيئة.

وكان اهم ما تميزت به هذه السنة أيضا هو توجه القطاع الخاص وبدعم من الدولة، بما وفرته من تسهيلات على مستوى القروض البنكية والإعفاءات الضريبية، وبما خصصته من قطع أرضية، الى القيام بأنشطة زراعية (خاصة الزراعات المائية والمغطاة)، الى جانب أنشطة أخرى تتعلق بتربية الدواجن والمواشي لإنتاج اللحوم والألبان، بغرض تلبية حاجيات السوق المحلية لتعويض الواردات المتوقفة والانتقال الى مرحلة الاستغناء كلية عن جزء كبير منها في ظل “توقعات رسمية متفائلة بأن تبلغ الكفاية الذاتية منها خلال السنوات القليلة القادمة”.

وفي سياق تشجيع النهوض بالمنتج المحلي، أطلقت الحكومة القطرية في نونبر المنصرم مبادرة “امتلك مصنعا خلال 72 ساعة” في ظل إقرار “إعفاء جمركي للمواد الأولية”، واعتماد “نظام النافذة الواحدة” لإنشاء المصانع وأجرأة الاستثمارات الصناعية، و”إلزام القطاع العام بشراء المنتجات المحلية بنسب تتراوح ما بين 30 و100 في المائة شرط أن تكون متوافقة مع المواصفات المطلوبة ووفقا لقانون المناقصات”.

كما اقترن هدف تنويع مصادر الدخل والنهوض بقيمة الناتج المحلي لدى الحكومة ببث دينامية خاصة في القطاع السياحي، من خلال تيسير منح التأشيرة أو إلغائها لفائدة 80 جنسية واعتماد تنزيلات على مستوى التنقل والإقامة فضلا عن تنظيم مزيد من المهرجانات الثقافية والترفيهية والتسويقية، لاستقطاب أكبر عدد ممكن من السياح الأجانب. وفي خضم كل ذلك، أبدت الحكومة القطرية تصميمها على استكمال تنفيذ مشاريع البنيات التحتية الخاصة باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022.

وفي قلب هذه التوجهات ظلت أنظار المراقبين في الداخل والخارج مصوبة بكثير من الاهتمام على حركية البورصة، التي كانت تطمح في مستهل 2017 الى اختراق 11 ألف نقطة. لكن المؤشر أظهر بعض التذبذب، ليتراوح أداؤه ما بين 10 آلاف و938.80 (أوائل فبراير) و10 آلاف و125.44 نقطة (17 ماي) الى 9 آلاف و939.58 نقطة (2 يونيو)، قبل أن يتراجع الى ثمانية آلاف وبضع مئات نقط مستهل الربع الثالث من السنة الجارية.

وتوقع محللون محليون، إبان ذلك، أن يسجل في “الأجل القصير صعودا ما بين مستويي 8440 نقطة و8600 نقطة”، وأن يكون “للأسهم الثقيلة خاصة بنك قطر الوطني والريان وصناعات قطر دور مهم في قيادة البورصة” خلال الفترة المقبلة؛ وبالفعل، سجل المؤشر في آخر إقفال له (20 دجنبر الجاري) رقم 8520.21 نقطة.

وفي الوقت الذي عزا فيه محللون اقتصاديون محليون تذبذب البورصة وتباين أداء قطاعات الأنشطة الاقتصادية الى “الظروف والمتغيرات الجيو-سياسية”، وأرجعه آخرون الى “عوامل نفسية وسياسية وليست اقتصادية أو فنية”، تشبث مسؤولون ومستثمرون محليون بالتأكيد على “محدودية آثار المتغيرات الجيو-سياسية الإقليمية على محركات السوق”.

واعتبر الرئيس التنفيذي للبورصة القطرية، في هذا السياق، أن محدودية الارتدادات السلبية على قطاعات الأنشطة الاقتصادية تعود، على الخصوص، الى ما وصفه ب”متانة وقوة وتنوع الاقتصاد القطري و”وجود الفرص والأسعار المغرية” وكذا “سخاء الشركات القطرية في توزيع أرباحها” وهو ما يمثل، برأيه “عنصر جذب مثالي”.

Comments (0)
Add Comment