قراءة في ي قصة” كوب ماء” للأستاذ علي درويش

**** كوب ماء **”

****
بقلم: علي درويش
****
رفع صوته قليلا لتسمعه وهو يمازحها كعادته:
-“أتسمعينه؟ لا زال مستيقظا يناديك: ماما ماما؟”.
سكت قليلا، ثم أردف:
_”بعد غسل الصحون، ناوليني كوب ماء، من فضلك أشعر بعطش غريب..”.
– “يارجل!! هداك الله! قدِّر تعبي، هدَّني التعليم والوقوف لساعات طوال في القسم واسكات شغب الأطفال الصغار..!”.
استأنفتْ غسلَ الأواني وصِّفها بشيء من العنف جانبا ، ثم أردفتْ:
_”نعم! سمعتُ نغمتَه الليلية (ماما! ماما!)؛ أنت من أفسدت طبعه، الحادية عشر ليلا هاته، ولم ينم بعد.!”.
هدأ قليلا ثم عقّب بصوت خافت:
-“لمجرد كوبِ ماء لابد أن تُسمعينا محاضرتك الليلية..!”.
– “متأكدة، من أنك بعد الكوب، ستطلب فنجانَ قهوتك الليلية المعتادة، طلباتكما أنت وابنك لا تنتهي. لازال عليَّ أن أتأكد من جمع الوثائق اللازمة بمحفظتي قبل أن أهدهده لعله يخلد الى النوم. …! …يا ناس، اشفقوا لحالي، لم أعد أطيق .. تعبت، متى أرتاح كبقية البشر؟؟”.
– “ومن أخبرك بأن بقية البشر مرتاحون؟؟ لاراحة في الحياة وفوق الأرض، إنما يرتاح من سكن القبور في بطن الأرض!”.
– “يا لطيف!… يا له من فأل مخيف! أمْ تُراكَ تستعجل أن تواريَني الترابَ؟ لتختار لك أخرى يا ماكر؟؟…آه منكم ومن غدركم أيها الرجال!!”.
قالتها وهي تناوله الكوب:
-“خذ! اشرب! “.
رفع رأسه، أمسك يدها والكوبَ معا بلطف، أطال النظر في وجهها كأنما يراها لأول مرة، نظراتُه كأنها أبيات من غزل،ثم أضاف مبتسما:
– “وهل في الدنيا بديل عنك! ياااا ………….”
فجأة، وعلى حين غرة، لم يُمهله القدر ليكمل الجملة، صوت مدوي كالرعد، رجت الأرض رجا، كأنما هي القيامة!تساقطت الجدران فوق رقبته، رعبٌ عاجل أفقده القدرة على فهم ما يقع ! يا للهول! لم ترجئه الصدمة ليلتفت إليها، لم يعد يرى شيئا، لا يعرف ما إن كان لازال حيا، ؟ لكنه شعر بأنه يتنفس، هدأ قليلا، ترامى الى سمعه صوت صبي صغير آت من بعيد، كأنه يصعد من جوف بئر عميقة، ارتفعت أصوات أخرى، عويل، صراخ، حاول أن يحرك رأسه بلا جدوى، فقد السيطرة على رجليه، شيء ثقيل يجثم على صدره، حاول أن يصيح أن يستغيث، خارت قواهُ استسلم، أخذ يلهث من شدة التعب، ثم شعر بيد تمسكه من كتفه، أصوات رجالية متداخلة من حواليه:
-“هناك صبي! هناك صبي! لا يزال على قيد الحياة! تعالوا بسرعة… ها هنا، حركوا قطعة الطوب! ارفعوا تلك الخشبة، احذروا، احذروا!! فزجاج الخزانة منغرز في جسده وهو ينزف…!”.
حاول أن يفتح عينه، لم يعد قادرا، غالَب رأسَه بمشقة لعله يرفعه قليلا، بلا جدوى ثم تركه يسقط كحجر هوى من أعلى، ليغيب في إغماءة طويلة ………..
يدٌ ناعمة تلامس خده، فتح عينيه ببطئ، قاوم الإضاءة، بدا له أنه لم ير النور منذ عهد بعيد، أهي الملائكة؟ أم تراه يحلم؟..
– “حمدا لله على سلامتك!”. قالتها وعيناها الباسمتان تتأملان وجهه.
هز رأسه، حرك شفتيه، ليقول شيئا..قبل أن تلامس جبينه بكفها :
-“لا تقل الآن، ستحكي لنا عن كل شيء لاحقا، وقريبا إن شاء الله، معك طبيبتك المعالجة! وهذه مساعدتي، حمدا لله على سلامتك”.
قالتها ثم انصرفت تسرع الخطى إلى سرير آخر، أدار رأسه: أسرةٌ وجرحى في كل مكان، حركة دائبة، هناك في الطرف الآخر بكاءُ أطفال، أصغى جيدا، كأنما ليتبين من بينها صوتا يبحث عنه…
حاول أن يميز بين تلك الأطياف الصغيرة المعزولة هاهناك.
نظر مطولا، لكنْ دمعات ثقال ملأت جفنه، حجبت عنه الرؤية، ثم انسدلت متراخية ساخنة على خده:
“ابني، حبيبي، أين هو؟ من فضلكم ؛ أخبروني!”.. مد يده ليحرك السرير نحو الأسفل..
-“لا…!.. لا…. رجاء، إنك تخالف تعليمات الطبيبة”.
نبهته ممرضة، كانت تمر حاملة كومة من الأدوية والأغطية..
حركة وهرج ومرج شكلت ألحانا تراجيدية كأنما ترددها آلات جوق يلفه النشاز، تَعِبَ، أرخى رأسه، استسلم لنوم لا يقاوم..
ثم وجد نفسه يسير في نفق طويل مظلم، يطل من أقصى طرفه قبسُُ كالشعاع يقترب من بعيد، تشكلت حوله هالة من نور حاول أن يبصر ما بداخلها، تراءى له طيفها، إنها هي؛ تلبس البياض، جميلة فاتنة، تقترب منه باسمة تحمل بيدها كوب ماء يتلألأ ما بداخله كالجوهر وتمسك بالدراع الأخرى صبيا جميلا كالبدر، دنت منه، نظرت اليه مبتسمة، ناولته الكوب، وحملت الصبي برفق ثم وضعته على صدره وهي تدفعه بضغط خفيف، كمن يترك وصية نفيسة.
نظرت اليه؛ ثم نظرت.. ثم ابتسمت، فدمعت عيناها.
ظل فاغرا فاه، حاول أن يمسكها، أن يقترب منها أن يضمها،، لكنها تراجعت خطوات الى الوراء ثم اختفت في عمق النفق وأنطفأ النور عَقِبَها تدريجيا…..
أما هو فظل يضم الصبي، حاول أن ينادي أن يصرخ أن يستكمل الجملة :…. يااااااا ..
إلا أنه استفاق، على صوت هادئ يناديه:
-“سيدي ! على سلامتك ، لك مني مفاجأة جميلة!”.
فتح عينيه ليرى، حرك رأسه نحو الباب، وراء الباب تقف امرأتان قد حجب الضماد معالمهما؟ تساءل:
“أتكون احداهما ….” تساؤلٌ قاطعه دخول ممرضة تحمل ابنه وضعته على صدره برفق، ارتفع نبضه، ضمه صار يلتهم الصبي بالقبل :
– “حبيبي ابني!!”.
نظر الصبي إليه مطولا، تأمل وجهه، ثم نطق بصوت أبح :
-“ماما!! ماما!” ؛
مشهد قاطعته الممرضة وهي تضع ورقتين فوق السرير:
-” أنتما على موعد مع مغادرة المصحة، ستخرجان قريبا”!
ظل يتأمل الوجه الغض البريئ وقد علته أثار الجروح، قبل أن يهمس:
– !”سنخرج حبيبي! سنخرج يا زادي! … سنخرج يا إرثي من الحياة!”.
سكت قليلا كمن تذكر شيئا ضمه بقوة إلى صدره، وهو يتابع شارد الذهن ممرضة تناول المريض بالسرير المجاور كوب ماء …
التفت الى الصبي وهو يغالب الدمع :
-“سنخرج يا كبدي؟؟… سنخرج.. لكن إلى أين!”.
ع.د
_____________________________________________
هذه قراءة لا تتجاوز عصير الصخرة الصماء عن قصة الكاتب علي درويش:

من وظائف الأدب ومقصدياته النبيلة أن يدفع بالمتلقي إلى معايشة جوهر القضية، ويشاركه أحزان وآلام وأفراح الآخرين، ويبحث عن قيم أصيلة في مجتمع منحط. ولقد وفق سجيرنا سي علي درويش في هذا النص الإلكتروني المترابط في التقاط كثير من التفاصيل الصغيرة عن مأساة عائلة مكلومة أصابها ما أصابها جراء زلزال الحوز الذي رجت له الأرض رجا، جعل عاليها سافلها.
كما أفلح القاص في التقديم للحدث الرئيس، بعرض تفاصيل الحياة اليومية لمعلمة منهكة، تنتظرها في أثناء العودة إلى المنزل القيام بالواجبات المنزلية المعتادة سجيس الأيام والليالي، مثل إعداد الوجبات، وغسل الصحون، وهدهدة الطفل حتى ينام، وإعداد المحفظة ولوازمها المدرسية، ناهيك بطلبات زوجها التي تتولى القيام بها مرغمة، كما يبدو ذلك من التأفف الذي أظهرته في أثناء تقديم الماء لزوجها بفتور يعكس مبلغ سآمتها من مطالبه الأطانب التي لا تنتهي. بعد هذه التقديم المشعر بروتينية الحياة اليومية للعائلة، وما يتخللها من عتاب وتنابز عاد بين الأزواج قبل الاستسلام للنوم، تقفز بعض التفاصيل الصغيرة ممثلة ثغبا في جعفر الحدث الرئيس للقصة، مثل: استعجال نوم الطفل لحاجة في نفس الزوج:( مازال مستيقظا يناديك ماما، ماما!)( الحادية عشر ليلا هاته ولم ينم بعد) بعد تلك المحاورات التي كشفت كدح الإنسان في هذه الحياة الوذية التي ليس على ظهرها مستريح، يفاجئنا الراوي – بدل الاختلاء بالزوجة – بالحدث الرئيس، وهو الزلزال وما تلاه من أهوال وإغماءات وأصوات واستغاثات وأحداث مرعبة انتهت بالزوج إلى الاستلقاء على سرير في المستشفى، ذلك المكان المغلق الذي أدرك فيه عمق مشكلته، وما نجم عنها من تفاصيل أدهشته، عرف من خلالها موت الزوجة المدرسة، وبقاء الابن الذي أصيب إصابة خفيفة، لم تمنع الممرضة التي تسهر على تمريضه من إحضاره له، وقد لفت الضمادات على الجروح الخفيفة التي تعرض لها عندما هوى سقف المنزل على العائلة التي كانت تستعد للخلود للنوم. وتبعا لهذه الجروح غير الغائرة، تعرف من خلال وصفة الطبيب على قرب مغادرته للمستشفى مصحوبا بابنه، لكن من دون الزوجة التي قضت في الكارثة. ولا ريب أن القوى الفاعلة في القصة، حسب ( فيالا وشميت) يمثل الزلزال عنصرها الفعال، ثم تأتي شخصيات المعلمة والزوج لتكمل الدور الرئيس، أما الطفل والممرضة والشداة فهي مجرد قوى مكملة معززة لواقعية الأحداث في القصة.
هذا لبن الطير بخصوص هذه القصة الواقعية التي أبهرتنا بجمال أسلوبها الاستبرقي الذي ينشر ظلالا من المتعة والبراعة على النص، ناهيك بكمال الوصف الدقيق الذي حول السمع بصرا، بله براعة انتقار الأمكنة والأحداث والسرعة السردية التي تلائم جنس القصة ( أشعر بعطش غريب، حدث طلب كوب الماء وتسلمه، حدث ترقب نوم الابن، حدث الزلزال، حدث التواجد بالمستشفى وعناق الابن…) أما الخيال الذي يعد عنصرا فعالا في تنامي الحدث القصصي، فقد أثبت الكاتب المفن براعته في التخييل المؤكد أن النص لا يصوغ الأحداث صياغة حرفية باردة وإنما قد أدخلنا إلى نفق وأهوال خيالية، تارة سردية مدارها الأحداث، وأخرى إنشائية مدارها العواطف التي تنوس بين القنوط والفرج، بين الألم والأمل، لكن ليس للفرح فيها ظل ولا حضور، ولا سيما بعدما أدرك أنه أضحى بلا مأوى، كما يتبين من زفرته: سنخرج لكن إلى أين؟
وعلى الجملة فالقصة من غرر الفن القصصي الإلكتروني الترابطي المولود من رحم التكنولوجيا، نص له روابط تسمح للقارئ بالانتقال السريع من بداية النص، إلى مكان آخر في جسده حسب الحاجة. إنه نص يحكي جانبا من جوانب الحياة في أثناء زلزلة الأرض بأهلها بمنطقة الحوز، زلزلة غيرت مجرى حياة الناس، وبدلت بتعاستهم المألوفة، شقاء آخر تذوب النفوس كمدا وتحترق من أهوال لم تكن متوقعة.
وبما أن الحسناء لا تعدم ذاما، كما يقول المثل، فإن الصورة المؤثثة للقصة لم تكن منسجمة مع العنوان، حيث إن الكوب إناء فارغ له عروة، بينما الصورة تظهر زجاجة، أو كأسا مملوءة تعاطتها يدان متلامستان متشابكتان بلطف زائد، يوحي مفعوله السحري بعاطفة مكتتمة تبوح بها وضعية أصابع اليدين.
عبد الله ايت الاعشير.

Comments (0)
Add Comment