بقلم. : مولاي المصطفى لحضى
لمّا كانت الفنون أرقى أشكال الاتصال الإنساني للتعبير عن نفس الإنسان و خبراته و نقل مشاعره و أفكاره إلى الآخرين و إقامة جسور الاتصال بينه و بين الوسطين الطبيعي و الاجتماعي ، و بالتالي الاسهام في بناء شخصيته و تحقيق الاتزان المنشود لها..
وجب على الأسرة الاهتمام بأطفالها و احترامهم و إيلائهم الثقة و الوقوف طويلاً أمام التعبير في رسومهم و تمتين العلاقات الأسرية بين أفرادها و توجيه أنشطتهم و فعالياتهم من خلال المثل الأعلى و القدوة الحسنة و السلوك الصحيح لامن خلال التلقين و الأوامر والنواهي ، و ذلك بتشجيع الأطفال و توفير الخامات والأدوات لهم لممارسة أوجه النشاط الفنية المتعددة و الابتعاد عن السخرية من نتاجهم الفني مهما كان مستواه ، و العمل على تحفيزهم و تنمية خيالاتهم و إبداعاتهم ، و تعميق ثقتهم بأنفسهم ، و الوقوف بجدية أمام أعمالهم الفنية ، و تعبيرهم عن طموحاتهم من خلال رسوماتهم ..
و علينا نحن الكبار إعطاء الطفل وسائل التعبير المفضلة ، و أن نوفر له الجو الذي يشجعه على القيام بتجاربه الحقيقية و الجمالية . فالجو الذي توفره الأسرة داخل البيت و ما تهيئه لأطفالها من خامات وأدوات على مستوى جيد من الذوق و التناسب مع سنّهم يساعد على خلق الدوافع للتعبير الفني لديهم .
فالعناية بتربية الطفل فنياً و جمالياً تستجيب دائماً لمطالب أساسية للشخصية الإنسانية التي تتمثل في اهتمام الأنسان بالجمال و قيمه و تعزيز قدراته على إدراك معانيه و التمتع به وتذوّقه و استغلال قدرات الفرد و ميوله في تمكينه من أكثر من لون من ألوان الفنون :
– في اكتشاف الموهبة ورعايتها :
من المعروف لدى الجميع أن أصحاب المواهب يؤثرون دائماً بتفكيرهم و أذواقهم و نتاجهم على تيّار الحضارة , ويسهمون بفعالية عالية و غير عاديّة في خلق صورة الحضارة بينما العاديون منهم من أبناء المجتمع يسايرون الرّكب الحضاري دون أن يكون لهم دور الطليعة في هذا المجال .و لا شك أن الأمم تتقدم بكشوف و اختراعات علمائها و مبدعيها و فنانيها . إذن ما هي الوسيلة لاكتشاف الموهبة أولا و التعامل معها و رعايتهاً ثانياً ؟
أولا : اكتشاف الموهبة :
ليس من الصعب علينا التّعرف على المتفوقين في المواد الدراسية و ذلك باستعراض درجاتهم في الامتحانات لكن هذا المعيار لا يصلح للكشف عن الموهبة خاصة في مجال الفن على اختلاف صوره .إذ أن هناك فروقا عديدة بين المتفوق و الموهوب .
فالتفوق عادة يقاس في إطار منهاج مرسوم استطاع الطالب استيعابه بالحفظ و المثابرة و الجهد المنظم .
أما الموهبة فتعتمد على استعداد فطري يتوفر غالبا في كلا الشخصين العادي و الموهوب و أنه ليس من السهل الفرز و الاكتشاف بتطبيق المعايير التقليدية ، بل هناك عددا من المعايير التي باعتمادها يمكننا الكشف عن الموهبة نذكر منها :
أولا : وجود مواصفات في الطفل تعتبر في مرحلة أعلى من المرحلة التي يمر بها أقرانه في نفس سنه . أي أن عمره العقلي يسبق عمره الزّمني .
ثانيا : ملاحظة اتجاه الطفل في رسومه نحو الفكرة و الموضوع من البداية بدلا من تدرجه من الذاتية إلى الموضوعية .
ثالثا : مدى أهمية الفكرة التي يعالجها في رسمه لوحته . و هذين الأمرين ليس من السهل إدراكهما من قبل الأسرة إلا إذا كانت على مستوى عال من الثقافة و الوعي في هذا المجال .
رابعا : غنى اللوحة بالعناصر .
خامسا : قوة الملاحظة و القدرة على نقل و محاكاة الأشياء و تصويرها بدقة .
سادسا : تعامله مع اللون و محاولته إبراز جمالية بعض الألوان دون الأخرى و مدى إمكانياتها . هذا إضافة إلى اختصاصه بألوان معينة و تفضيلها على غيرها نتيجة مواقف معينة .
سابعا : مدى قدرته على إيصال الفكرة إلى الآخرين بجماليته و بساطة أسلوبه .
ثامنا : مقدرته على التعبير و عمق تأملاته في بعض المواضيع .
تاسعا : اتساع خياله .
عاشرا : مدى موضوعيته .
ومع هذا ، فإن اكتشاف الموهبة و قياسها مسألة بالغة التعقيد و ليس بإمكاننا تطبيق معايير جامدة في قياس الموهبة و اكتشافها فالموهبة في هذا السياق يعتمد قياسها على العديد من العوامل التي يتعلق بعضها بذات مكتشفها و الآخر يجب توافره عند صاحب الموهبة نفسه ولكن بكل الأحوال يمكننا تقييم موهبته من خلال مجموعة عوامل من بينها على سبيل المثال لاالحصر :
1 – اللياقة البدنية الطبيعية مثل : قوة الإبصار – دقة الملاحظة – القدرة على تمييز الألوان – القدرة على استخدام يده لتكون طوع رغبته و هدفه و لتترجم فكرته بطلاقة ويسر وبساطة و تلقائية واقتصار في الزمن .
2- المعاني المضيئة التي تشع بالأشكال التي يرسمها أو ينتجها . مثل للمعاني التي تعتمد على الجانب اللاشعوري للشخص المفعم بالانفعالات والذي يضفي طابعه على طريقة تصويره وإبراز العناصر المختلفة فيجعلها تبدو وكأنها تنتمي إلى شخص معين .
3 – النّمط الفردي الذي يعطي طابعاً خاصاً لإنتاج الطفل الفني وتميزه عن غيره ممن هم في مستواه الزمني .
4 – ارتباط الانتاج الغني للطفل ببعض القيم الفنيّة التي يحفل بها التراث .
5 – مايمكن استكشافه من خلال هذا الانتاج من احتمالات النضج والعبقرية وإضافة الجديد.