م ، س : بيان مراكش
في الدول التي تجعل من الإدارة العمومية ركيزة للتنمية ، لا ينظر إلى المرفق الإداري بإعتباره مجرد مؤسسة لتقديم الخدمات ، بل بإعتباره فضاء لتجسيد قيم دولة الحق والقانون، ومؤشرا حقيقيا على مدى إحترام كرامة المواطن ، فكلما إرتقت الإدارة في تنظيمها وحيادها وشفافيتها ، تعززت الثقة في المؤسسات ، وترسخت قناعة المجتمع بأن القانون يعلو على كل إعتبار، وأن المساواة ليست نصا دستوريا فحسب، بل ممارسة يومية يلمسها المواطن في أبسط معاملاته.
ليست الإدارة العمومية مجرد فضاء لقضاء المصالح الإدارية، بل هي المرآة التي تنعكس عليها هيبة الدولة وثقة المواطن في مؤسساتها ، فكل مرتفق يلج باب إدارة عمومية لا يبحث عن إمتياز أو معاملة خاصة ، وإنما ينتظر أن يعامل وفق القانون، وأن تحترم أسبقيته ، وأن يحصل على الخدمة في ظروف يسودها الإنصاف والشفافية والحياد ،ولذلك فإن جودة المرفق العمومي لا تقاس بعدد الوثائق المنجزة فحسب، وإنما بمدى إحترامه للمبادئ الدستورية التي تجعل جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
ومن المؤسف أن هذا التصور لا يجد صداه دائما داخل جميع المرافق ، فعدد من المواطنين المترددين على مكتب تصحيح الإمضاء بالمقاطعة الشمالية سيدي يوسف بن علي بمدينة مراكش يعبرون عن إستيائهم من بطء وتيرة إنجاز المعاملات، وما يترتب عنه من طوابير إنتظار طويلة، في وقت يفترض فيه أن تكون هذه الخدمة من أبسط وأسرع الخدمات الإدارية،
غير أن ما يثير إستغراب المرتفقين أكثر من بطء الخدمة، هو ما يلاحظونه من وجود أشخاص لا تظهر لهم أي صفة إدارية داخل فضاء المقاطعة ، يتولون إستقدام بعض المواطنين من خارج طابور الإنتظار نحو مكتب تصحيح الإمضاء، بينما يظل آخرون ينتظرون دورهم وفق مبدأ الأسبقية ، وقد تكون لهذه الوضعية تفسيرات تنظيمية لا يعلمها العموم، غير أن غياب الوضوح في تدبير الولوج إلى الخدمة يخلق لدى المواطنين إنطباعا سلبيا ، ويجعلهم يتساءلون عما إذا كان الجميع يستفيد بالفعل من المعاملة نفسها التي يضمنها القانون.
وما يزيد هذا التساؤل مشروعية ، هو أن المقاطعتين الوسطى والجنوبية بسيدي يوسف بن علي بمراكش تعرفان في نظر العديد من المرتفقين ، تنظيما أكثر إنسيابية وإحتراما لترتيب الأسبقية دون “فوضى” ، وهو ما يطرح سؤالا موضوعيا حول أسباب هذا التفاوت في تدبير الخدمة داخل المجال الترابي نفسه ، رغم أن المرجعية القانونية والتنظيمية واحدة، وأن حق المواطن يجب أن يكون مضمونا بالمعايير نفسها في جميع المرافق.
إن الفصل السادس من دستور المملكة المغربية الشريفة ينص بوضوح على أن الجميع متساوون أمام القانون ، كما يؤكد الفصل 154 أن المرافق العمومية يجب أن تقدم خدماتها وفق مبادئ المساواة في الولوج ، والشفافية والجودة والاستمرارية، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، ومن هنا فإن إحترام ترتيب الأسبقية ليس مجرد إجراء تنظيمي ، بل هو تجسيد عملي لمبدأ المساواة الذي تقوم عليه دولة الحق والقانون.
ومن غير المستساغ أن تستمر مثل هذه الانطباعات داخل مرفق عمومي يفترض أن يكون عنوانا للحياد والإنصاف ، كما أنه من الصعب تصور أن مثل هذه المظاهر ، إن كانت ناتجة عن خلل في التنظيم أو التدبير ، يمكن أن تنسجم مع التوجهات الرامية إلى تحديث الإدارة وتحسين جودة خدمات القرب.
فالمواطن يثق بأن والي جهة مراكش آسفي ، بإعتباره حريصا على حسن سير المرافق العمومية ، كما يثق في السيدة رئيسة المجلس الجماعي لمراكش ، لا يمكن أن يقبلا بأي وضع من شأنه أن يمس بمبدأ المساواة بين المرتفقين أو يترك إنطباعا بأن المواطن لا يحترم ، لأن كرامة المواطن وجودة الخدمة العمومية تظلان من صميم المسؤولية الإدارية والمؤسساتية.
إن إثارة هذا الموضوع لا تروم توجيه الإتهام إلى أي موظف أو مسؤول ، ولا التشكيك في نزاهة أي جهة ، بقدر ما تهدف إلى الدعوة إلى تقييم إداري ، يرصد أسباب البطء ، ويتحقق من طبيعة تدخل الأشخاص غير المنتمين للإدارة داخل فضاء المرفق ، ويضع آليات واضحة وشفافة لتنظيم الولوج إلى الخدمة ، بما يضمن إحترام الأسبقية ويقطع مع كل ما من شأنه أن يثير الشك أو يضعف ثقة المواطن في الإدارة.
وإذا كان جلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره ، قد جعل من إصلاح الإدارة العمومية وتخليق المرفق العام ورشا إستراتيجيا ، ودعا في أكثر من مناسبة إلى تقريب الإدارة من المواطن ، وتبسيط المساطر، والارتقاء بجودة الخدمات، فإن تجسيد هذه الرؤية الملكية يظل رهينا بحسن تنزيلها داخل مختلف المرافق العمومية ، فكل ممارسة قد تمس بمبدأ المساواة ، أو تترك لدى المرتفق إنطباعا بوجود تمييز أو إخلال بتكافؤ الفرص ، تتعارض مع روح هذا التوجه الإصلاحي الذي يجعل من خدمة المواطن وإحترام كرامته جوهر الإدارة الحديثة ،وعندما يتحقق ذلك، تتحول الإدارة إلى فضاء للثقة، ويصبح المرفق العمومي تجسيدا حقيقيا لدولة المؤسسات.
إن الحفاظ على هيبة الإدارة لا يتحقق فقط بتطبيق القانون، وإنما أيضا بإشعار المواطن بأن القانون يطبق على الجميع بالقدر نفسه، دون وساطة أو تفضيل أو إخلال بترتيب الأسبقية ، فالإدارة التي تحترم وقت المواطن وكرامته ، هي إدارة تعزز الثقة في المؤسسات وتكرس دولة الحق والقانون ، ومن هذا المنطلق، فإن معالجة هذه الملاحظات داخل مكتب تصحيح الإمضاء بالمقاطعة الشمالية سيدي يوسف بن علي لن تكون إنتصارا لفئة دون أخرى ، بل إنتصارا للمرفق العمومي، وللإدارة المواطنة التي أرادها جلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره والتي يطمح إليها جميع المغاربة.