على هامش كأس إفريقيا: حين خرجت الكرة من مربع الرياضة إلى مربع الواقع

 

بقلم أبو أمين “بيان مراكش”

على هامش نهائيات كأس إفريقيا، خرجنا فجأة من مستطيل الكرة – أو مربعها الرمزي – إلى مربع الواقع الصادم. هناك، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة أو منافسة رياضية، بل تحولت، في لحظة انفعال جماعي، إلى ما يشبه أفيون الشعوب، في وقت كان يفترض أن تكون فيه نموذجًا للتسامح، والروح الرياضية، والتلاقي الإنساني بين الشعوب الإفريقية.
لكن، وبين عشية وضحاها، أضحت الكرة مرتعًا للحقد، والضغائن، والعنصرية، والعداء الأعمى.
فما الذي يحدث يا إفريقيا؟
وهل بلغ الوعي الجمعي هذا القدر من التدني، حتى صار يقاد بسهولة نحو الكراهية بدل الفهم، ونحو الفتنة بدل التنافس الشريف؟
لقد شهدنا خلال هذه التظاهرة القارية فتنة غير مسبوقة، تجاوزت حدود المدرجات والملاعب، لتنساب إلى الخطاب اليومي، وإلى الفضاء الرقمي، محملة بشحنات من السب، والتجريح، والتمييز. وهنا يصبح من الضروري دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى ما يسميه علماء الاجتماع بـ سوسيولوجيا القطيع؛ فحماسة القطيع ونفسيته الجارفة ليست بريئة، ولها دائمًا تبعات، ولها ما بعدها، ويجب الاحتياط منها والحساب لعواقبها.
فالإنسان، حين يذوب داخل القطيع، يفقد جزءًا من عقله النقدي، ويتصرف بدافع الانفعال لا الوعي. أما حين تهدأ الأعصاب، ويميل الفرد إلى وحدانيته، بعيدًا عن صخب الجموع، تبدأ المراجعات الحقيقية، وتظهر الأسئلة المؤجلة: ماذا وقع؟ ولماذا؟ وإلى أين نمضي بهذا السلوك؟
في هذا السياق، يمكن الرجوع إلى خطاب صاحب الجلالة محمد السادس الأخير، حيث أكد جلالته على ضرورة الحفاظ على القيم النبيلة للرياضة، وعلى أن تكون المنافسات الرياضية مدارس للروح الأخلاقية، لا ساحات للفتنة والشعبوية. إن دعوة الملك إلى ضبط النفس واحترام الآخر هي تذكير لكل الجماهير واللاعبين بأن الرياضة تجمع ولا تفرق، وتعلّم التسامح ولا تغذي الحقد.
شخصيًا، وكغيري من آخرين، أعلنت اعتزالي متابعة كرة القدم بعد ما شاهدته يوم 18 يناير 2026 خلال نهائيات كأس إفريقيا، حيث تجلت أمامي كل مظاهر الانحدار الأخلاقي، وكل علامات الفتنة والشعبوية التي أفرغت الرياضة من معناها النبيل.
إن ذوي العقول النيرة، كما يؤكد خطاب صاحب الجلالة، يدركون أن الحقيقة لا تُرى في لحظة الغضب، بل بعد هدوء الأعصاب، حين تنقشع سحب الانفعال، وتُرى الأمور على حقيقتها، بلا تضليل ولا تهويل.
فهل نتعلم من هذه اللحظة؟
أم نترك كرة القدم، مرة أخرى، تتحول من جسر للتقارب إلى وقود للفرقة؟

Comments (0)
Add Comment