عالم جديد يتشكل أمام أعيننا و متغيرات متسارعة خطيرة تجري، ومواكبتها تفرض مراجعة عدد من الأمور على رأسها الانتخابات المقبلة.

امتحان 2026

بيان مراكش/ الصديق أيت يدار

تختلف المحطة الانتخابية المقبلة عن سابقاتها اختلافا كبيرا يفرض على الأحزاب السياسية أن تكون في مستوى لحظة تاريخية حاسمة تتقاطع فيها سياقات وطنية وإقليمية ودولية غاية في التعقيد.
على المستوى الداخلي، ما تزال الإكراهات البنيوية قائمة، من معدلات بطالة مرتفعة ونسب نمو ضعيفة إلى غير ذلك من التحديات الشائكة، إضافة إلى محيط إقليمي معادي، وكل ذلك يجري في إطار يشهد فيه العالم إعادة تشكل كبرى، تتسم بالاضطرابات الجيوسياسية، وتوترات الطاقة، وإعادة تموقع إقليمي، وتحول في التوازنات العالمية، وبالتالي فإن هذه المواعيد النهائية سوف تشكل اختبارا رئيسيا لقدرة الأحزاب السياسية على إنتاج نخبة على درجة عالية من الكفاءة تساعد البلاد على التمظهر بوضوح وتماسك وطموح.
لكن مع اقتراب موعد استحقاقات 2026، بدأ الشعور بالضيق يتسلل إلى النفوس، إذ أصبحت الفجوة صارخة بين توقعات المواطنين وخطاب الأحزاب السياسية أكثر من أي وقت مضى، وهو مؤشر من مؤشرات أخرى، تؤكد تخليها عن كل أدوارها، حتى التقليدية منها المتمثلة في التأطير والتكوين.
ومن الأمور الخطيرة أنه في الوقت، الذي يتطور فيه المجتمع بسرعة كبيرة، تبدو البنيات الحزبية جامدة، ومنفصلة، وسجينة خيال سياسي متجاوز لا يساير الدينامية المجتمعية الجارية، وهذا الواقع الصعب بات يفرض على الأحزاب أن تراجع كيانها وتجدد نفسها، وأن تتخلى عن كل تلك الممارسات التي أساءت لها كثيرا وأن لا تختزل دورها في المشاركة في الانتخابات من أجل مقاعد انتخابية أو حقائب وزارية فقط
بل على الأحزاب السياسية، باعتبارها أدوات أسياسية ولا محيد عنها في العملية الديموقراطية، أن تعي إكراهات المرحلة الحالية، وبالتالي فهي مطالبة بأن تستثمر في تكوين الكفاءات والتنقيب عنها عوض الاستمرار في هدر المال العام في أمور تافهة، وأن تضع الرجل المناسب في المكان المناسب عوض استقطاب “الأميين” و” اصحاب الشكارة” المؤثرين في الدوائر الانتخابية، سعيا منها إلى الحصول على أكبر عدد من المقاعد المحلية والبرلمانية.
ولا يخفى على أحد كم تسبب هذا التوجه، الذي شمل غالبية الأحزاب، في استبعاد مجحف لعدد كبير من الكفاءات المنخرطة في العمل الحزبي، التي أرغمت على التراجع إلى الوراء واكتفت بدور المتفرج، وهو ما ساهم في خلق حالة من التذمر في عدد كبير من هذه الفئات، التي من المفروض أن تكون في الطليعة..
على الأحزاب السياسية كذلك أن تراجع تعاطيها مع المال العام، حيث ما كشف عنه المجلس الأعلى للحسابات، في الأيام القليلة الماضية، لا يبشر بخير، وسيعقد وضعيتها في الانتخابات المقبلة، إذ إن 15 حزبا سياسيا لم يقوموا بإرجاع مبالغ الدعم غير المستحق أو غير المستعمل إلى خزينة الدولة، مبرزا أن قيمة هذه الأموال غير المرجعة لامست 22 مليون درهم.
ولهذا فعلى الأحزاب السياسية أن تدرك جيدا أنها ليست مجرد آليات إدارية للديمقراطية، إنها أساسها الحي، ومن هذا المنطلق، تقع على عاتقها مسؤولية تنظيم النقاش العام، واقتراح مشاريع واضحة، وتجسيد البديل، وتأطير الأجيال الجديدة والعمل على إدماجها.
بلادنا التي تعاني من مشكل كبير في الثقة، وبدون معالجة لهذه الأعطاب التي أصبح لها طابع بنيوي، فإننا نعرض تجربتنا الديمقراطية رغم كل المآخذ عليها لخطر حقيقي، في وقت تدخل بلادنا تحديات كبرى وتوجد في مرمى صراعات جيواستراتيجية دقيقة جدا. لذلك، فالجبهة الداخلية يجب أن تكون أكثر تماسكا ووحدة وأساسا أن تكون مسنودة بمؤسسات منتخبة ذات مصداقية.

Comments (0)
Add Comment