أبو أمين”بيان مراكش ”
وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
من أروع ما قيل في التعبير عن ألم الظلم، خاصة حين يأتي من الأقارب. من قصيدة شهيرة للشاعر زهير بن أبي سلمى.
هذا البيت من أشهر أبيات الحكمة في الشعر العربي، ويُعزى إلى زهير بن أبي سلمى، الذي كان معروفًا برصانته وبعد نظره.
أشدُّ مضاضةً: أشد ألمًا وقسوة.
وقعِ الحُسامِ المُهنَّدِ: ضرب السيف الهندي، وهو من أشدّ أنواع السيوف حدة.
المعنى: يقول الشاعر إن الظلم إذا أتى من القريب – من العائلة أو الأحبة – فهو أشد وقعًا وألمًا في النفس من جرح السيف القاطع. لأن جرح القريب لا يُشفى بسهولة، لما فيه من خيانة للقرابة والثقة والمودة.
زهير قال هذا البيت في سياق إصلاح ذات البين بين قبيلتين كان بينهما ثأر طويل، فكان يسعى لنشر الحكمة والتسامح، وينبّه إلى أن الأذى من الأقربين أقسى من أذى الغرباء.
هذا عن زهير بن أبي سلمى وقسوة الأقرباء أما عن حالنا الآن ، فالإنسان يعاني من أقسى أنواع الظلم، ليس من غريبٍ لا يعرفه، بل من أقرب الناس إليه: الأهل، الإخوة، الأحبة. وهذا ما تعكسه ببراعة أبيات شعرية لأحمد شوقي لامست رهاف القلوب:
هجرت بعض أحبتي طوعاً
لأني رأيت قلوبهم تهوى فراقي
نعم يشتاقهم قلبي ولكن
وضعت كرامتي فوق اشتياقي
وأرغب في وصالهم ولكن
طريق الذل لا تهواه ساقي
هذه الأبيات ليست مجرد نظم موزون، بل صرخة فيها كلم ووجع عميقين من قلب جُرح بيد من كان ينتظر منهم الرحمة والود و الحنان. يقرر الشاعر ـ رغم الحب والاشتياق ـ أن يهجر بعض أحبته طواعية، ليس كرهًا، بل لأن قلوبهم مالت لفراقه وتخلت عن رحمه. وهو هنا يجسد معاناة الإنسان الشريف الذي يُقابل الوفاء بالجفاء، ولا يقبل أن يطأ كرامته في سبيل حبٍ بلا تقدير.
يتردد صدى هذا الإحساس لدى كثيرين، خاصة حين يأتي الجرح من “ذوي القربى”. فالظلم حين يصدر من الأغراب موجع، لكنه حين يصدر من الأهل، من الأخ أو الأخت، أو من حبيبٍ قديم، فإنه أشد قسوة، لأنه يأتي من قلبٍ كنا نظنه وطنًا لا سيفًا.
انقلاب الفطرة هذا قد يكون نتيجة تربية فاشلة، أو ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية، أو صراعات عائلية متراكمة.