بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
“سلايتية”
مر على الرسالة، التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في ندوة وطنية، انعقدت في نونبر من سنة 2024، تخليدا للذكرى الستين لقيام أول برلمان منتخب في المملكة، خمسة عشر شهرا.
ومرت عشرة أشهر على مصادقة البرلمان، في يوليوز من السنة نفسها، على مدونة الأخلاقيات ذات طابع قانوني ملزم، تنزيلا لمضامين تلك الرسالة، التي دعت بكل الوضوح الممكن إلى ضرورة تخليق الحياة البرلمانية وتنقيتها من كل الشوائب التي تسيء إليها.
ومع ذلك، لم تتخلص المؤسسة التشريعية من صورة سلبية ظلت تلاحقها باستمرار، رغم الجهود الحثيثة المبذولة، إنها ظاهرة غياب البرلمانيين، التي صارت مزمنة، بعدما بات مشهد الكراسي الفارغة يؤثث البرلمان، حتى في لحظات حاسمة تستدعى حضورا وازنا لتمرير قوانين في غاية الأهمية.
ورغم الإجراءات العقابية، التي سلكها مكتب المجلس سواء في الغرفة الأولى أو الثانية، فإن المشكل ظل قائما، بل تفاقم أكثر، وظلت كل التدابير التي تم اتخاذها لحد الساعة عديمة الجدوى، بسبب استمرار مظاهر الحضور الباهت خلال أشغال اللجان والجلسات العامة، مقارنة بالعدد الإجمالي للبرلمانيين.
ولعل أحدث مثال على عدم انضباط البرلمانيين واستخفافهم بمهمتهم التشريعية والتمثيلية والرقابية يعود إلى فبراير الماضي، حيث غاب 291 نائبا برلمانيا عن جلسة بمجلس النواب، تم خلالها تمرير نص قانوني ما يزال يثير الجدل لحد الساعة، ويتعلق الأمر بمشروع القانون التنظيمي للإضراب، حيث لم يحضر للتصويت عليه سوى 84 نائبا من الأغلبية و20 فقط من المعارضة، مما فتح باب التساؤلات حول جدية البرلمان في تحمل مسؤولياته.
مثال آخر للتسيب الذي يعرفه البرلمان في ما يتعلق بالغيابات المتكررة ليس ببعيد، ففي جلسة لمجلس النواب للمصادقة على قانون المالية، شهر دجنبر الماضي، تجاوز الحضور بالكاد النصف، في حين أن هذا المشروع، الذي يوصف بأنه أهم القوانين التي يصادق عليها مجلس النواب يتطلب حضور الجميع، باعتبار أنه قانون يرهن مستقبل البلاد لمدة سنة.
وكما هو معلوم، فقد جرب البرلمان عدة وصفات لعلاج عطبه المزمن، لكنها لم تؤت بأي شفاء، ففي خطوة أولى، عمد إلى تلاوة أسماء البرلمانيين المتغيبين، ثم في مرحلة ثانية لجأ إلى اعتماد نظام تسجيل الحضور بواسطة البطاقات الإلكترونية «البوانتاج»، غير أن ذلك رافقته انتقادات كثيرة، فانقسم البرلمانيون إلى فريق وجد في تلك المبادرات خطوة نحو تقليل عدد الغيابات، بينما اعتبر فريق ثان أن تلك الإجراءات غير قانونية، فعجل ذلك بفشلها، وبالمقابل استمرت الظاهرة في التفاقم ؛ بل هناك منهم من يسلم تلك البطاقة لزميله الأخر ليقوم ويحل مكانه هذا الأخير في عملية المطلوب ….
وإذا كانت الأساليب التي لجأ إليها البرلمان، من «بوانتاج» وتلاوة أسماء البرلمانيين الغائبين قد باءت بالفشل، فإن تركيب البرلمان كاميرات ذكية، تتعرف على الوجوه لتأكيد حضورها عبر تقنية الذكاء الاصطناعي، أعطت أكلها بداية من الأول لتشغليها، حيث شهدت جلسة مجلس النواب، الإثنين الماضي، حضورا لافتا، تجاوز 300 نائبة ونائب برلماني من العدد الإجمالي البالغ 395 نائبا، وذلك خلافا للجلسات السابقة.
لكن الخوف كل الخوف أن يتم الإلتفاف على هذه الخطوة كما تم الإلتفاف على الخطوات السابقة، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة، فحضور البرلمانيين إلى البرلمان هو شبيه بحضور الطلبة إلى فصول الدارسة، فإذا حصلت غيابات متكررة تفوق النصف، وفي بعض الأحيان تصل إلى الثلثين، فإن التحصيل لا يستقيم ويصير الغياب الغير المبرر نوعا من الإضراب العام عن الدارسة، يستدعي تدخلا صارما
ولهذا يانواب الأمة قوموا بواجبكم المنوط بكم آتجاه وطنكم خوفا من الخالق واستحضار الضمير ؛ وتلك الأيام نداولها بين الناس