في أحد أحياء المدينة الصاخبة، نشب شجار بين رجلين، “سعيد” و”جمال”، أمام أحد المقاهي المكتظة. بدأت القصة بخلاف بسيط حول موقف سيارة، لكنه سرعان ما تحول إلى مشادة كلامية حادة، ثم إلى اشتباك بالأيدي. لم يدم العراك طويلا، إذ تدخل المارة لفضه، لكن الخلاف لم ينتهِ عند هذا الحد.
في اليوم التالي، فوجئ “جمال” باستدعاء رسمي إلى مركز الشرطة، حيث أبلغه الضابط بأن “سعيد” قد تقدم بشكوى ضده، مرفقة بشهادة طبية تثبت تعرضه لإصابة تستدعي العجز عن العمل لمدة 30 يوما. كان “جمال” مصدوما، فهو يعلم جيدا أن الاشتباك لم يسفر عن أي إصابة خطيرة، وأنه بالكاد دفع “سعيد” بعيدا عنه دون أن يوجه له أي ضربة مباشرة.
ورغم أن “جمال” كان بإمكانه اللجوء إلى الحيلة نفسها واستصدار شهادة طبية مضادة، إلا أنه امتنع، مدركا أن تزوير الأدلة قد يوقعه في مشكلة أكبر. لم يكن أمامه سوى إنكار التهم الموجهة إليه، والاعتماد على نزاهة التحقيق.
بدأت الشرطة تحقيقا موسعا، وجمعت شهادات شهود العيان، وراجعت كاميرات المراقبة في المنطقة. وبمرور الأيام، ظهرت بعض التناقضات في شهادة “سعيد”، كما تبين أن الطبيب الذي أصدر له الشهادة سبق أن تورط في قضايا مماثلة.
أحد الضباط قرر تعميق البحث، فقام بالتحقق من بيانات “سعيد” الطبية، ليكتشف أن إصابته مزعومة، وأنه لم يزر المستشفى يوم الشجار. كان الأمر واضحا: “سعيد” استخدم شهادة طبية مزورة لتوريط “جمال” في قضية لم يرتكبها.
عندما ووجه “سعيد” بالأدلة، حاول المراوغة، مستندا إلى معارفه ونفوذه، لكن الحقائق كانت أقوى من سلطته. انتهى الأمر بإحالته إلى النيابة بتهمة تقديم وثائق مزورة والتلاعب بالقضاء. وبعد جلسات محاكمة عدة، صدر الحكم بسجنه وتغريمه ماليا، إلى جانب فقدانه لثقة مجتمعه.
أما “جمال”، فقد خرج مرفوع الرأس، بعد أن ثبتت براءته. كان بإمكانه أن يلجأ إلى نفس الأساليب التي استخدمها خصمه، لكنه آثر أن يسلك الطريق القانوني، فكان انتصاره أكثر وقعا وأشد تأثيرا.
وهكذا، كان القضاء الفيصل في معركة لم يكن فيها الأقوى هو من يملك السلطة، بل من يملك الحق.
ع-ل- للعبرة فقط- قصة من وحي الخيال