تواجه الحكومة الألمانية التي تترأسها المستشارة أنجيلا ميركل العديد من الملفات الساخنة على رأسها تدبير قضايا اللجوء مما ينبئ بتغييرات في الخريطة السياسية التي شهدت على مدى سنوات سيطرة المحافظين.
وقد بدأت الارتجاجات تصيب المشهد السياسي في ألمانيا منذ تفاقم أزمة اللاجئين في السنة الماضية ، إذ استقبلت ما يناهز مليونين و100 ألف طالب لجوء ، بعد أن كان عددهم سنة 2014 لا يتجاوز 200 ألف لاجئ ، والرقم الذي سجلته ألمانيا لم تسجله أي دولة أوروبية على الاطلاق.
وتشكل قضية اللاجئين أصعب اختبار تجتازه الحكومة الاتحادية هذه السنة والتي مازال أمامها تسوية العديد من القضايا سواء على المستوى الوطني أو الأوروبي وكذا الدولي ، كمواصلة خطط إنقاذ منطقة الأورو من أزمة اقتصادية ، وإغلاق محطات الطاقة النووية بشكل تدريجي كما جاء في برنامجها السياسي ، إضافة إلى قضايا أوروبية خرى.
فأزمة اللاجئين تحدي حقيقي تواجهه المستشارة ميركل التي دافعت بقوة عن سياستها في تدبير هذا الملف فعارضت حتى مسألة تحديد الحد الأقصى في الأعداد التي ستستقبلها بلادها في المستقبل .
وتواجه المستشارة بسبب ذلك ضغوطات وانتقادات كبيرة ليس فقط من خارج ألمانيا ولكن حتى من داخل الائتلاف الحاكم وفي حزبها المسيحي الديمقراطي نفسه ثم من قبل الحزب الشريك لحزبها المسيحي الاجتماعي الذي ذهب أبعد من مجرد انتقاد فأصبح يهدد برفع دعوى قضائية ضد الحكومة لدى المحكمة الدستورية في حال لم تبادر إلى وضع مراقبة على الحدود لمنع تدفق اللاجئين مع المطالبة بتحديد أعدادهم .
إلا أن ميركل ، تصر على حل المشكل في إطار أوروبي ، وهو ما أكد عليه أيضا نائبها سيغمار غابرييل رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي المشارك في الائتلاف الحاكم ، والذي يرى أن حل أزمة اللاجئين لن يكون إلا حلا أوروبيا وأن غلق الحدود في أنحاء القارة الأوروبية سيفضي إلى “كارثة اقتصادية “.
وقد أصرت ألمانيا منذ بداية الأزمة على تطبيق نظام الحصص وعلى تحمل كل دول الاتحاد الأوروبي لمسئوليتها في هذا الاطار ، إلا أن طلب برلين لم يجد آذانا صاغية ، بل دفع دولا بالاتحاد إلى رفض استقبال المزيد من اللاجئين ، وهو ما أثار حفيظة ميركل وحكومتها .
ومن بين المبررات التي قدمتها الدول الرافضة لاستقبال اللاجئين ، أن لديها مخاوف من دخول عناصر من تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” إلى البلاد ، كبولندا والمجر وسلوفاكيا والتشيك التي كانت انتقائية واستقبلت غير المسلمين خاصة بعد اعتداءات باريس .
ووسط هذه الأزمة، وجدت ألمانيا نفسها مجبرة على تحمل الأعداد الكبيرة للاجئين الفارين ليس فقط من سورية عن طريق تركيا، ولكن أيضا من اليونان وبعض دول جنوب أوروبا. لكن مع بداية سنة 2016 استفاقت ألمانيا على أحداث غير متوقعة هزت المجتمع الألماني تمثلت في اعتداءات على مجموعة من النساء في مدينة كولونيا (غرب ) مما زاد من حجم مسؤولية حكومة ميركل بخصوص تدبير ملف اللاجئين.
فالمحللون السياسيون يعتبرون هذه الاحداث بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير “، وتنبؤ بتغيير ملامح المشهد السياسي الألماني الذي هيمن فيه الحزب المسيحي الديمقراطي بقيادة ميركل ، منذ عشر سنوات ، إذ أن الانتخابات التشريعية التي ستجرى في سنة 2017 ، قد تفرز خريطة سياسية بملامح جديدة إضافة إلى الانتخابات المحلية التي ستجريها خمس ولايات ألمانية في غضون السنة الجارية.
فاعتداءات التحرش الجنسي والسرقة التي استهدفت النساء ليلة رأس السنة ، تسببت في خلق جدل واسع انخرطت فيه جميع مكونات المجتمع الألماني من حكومة وأحزاب ومثقفين ومحللين ومؤسسات وجمعيات وأيضا مواطنون عاديون ، اختلفت فيه الآراء وتضاربت والتقت في مواقفها اتجاه اللاجئين .
ورغم أن الحكومة والعديد من الجمعيات نبهت إلى عدم الخلط بين اللاجئين الفارين من أهوال الحرب ، وبين عدد من المشاغبين القادمين إلى ألمانيا بطرق غير شرعية من أجل تحسين مستوى معيشتهم ، إذ أشارت أصابع الاتهام إلى مواطنين من دول شمال أفريقيا ،التي اعتبرتها حكومة برلين دولا آمنة.
والمثير أن الجدل الذي قام اثر هذه الاعتداءات غلب على النقاش بشأن تهديدات إرهابية تلقت بخصوصها السلطات الألمانية معلومات تفيد بأن متطرفين من العراق وسورية سيشنون هجمات انتحارية على التراب الألماني ليلة رأس السنة.
واثر تراكم كل هذه القضايا والمرتبطة جميعها بملف اللجوء ، اعتبر بعض المراقبين ، أن المستشارة ميركل ، بدت كالحلقة الأضعف في المشهد السياسي بسبب سياستها ، ومنحت بذلك الفرصة لصعود حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي المناهض للمهاجرين والأورو ، الذي كسب عدة نقاط في كل استطلاعات الرأي التي أجريت في الفترة الأخيرة ، وذلك على حساب المحافظين وأيضا أحزاب المعارضة ليحتل المركز الثالث بعد الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي.
ومنح الجدل السياسي القائم أيضا فرصة للمعارضة من أجل وضع سياسة ميركل تحت المجهر ، ومحاولة استقطاب المزيد من الأصوات ، ودعم موقف الحزب الليبرالي الديمقراطي الشريك السابق لميركل الذي أطيح به في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ، وقد يعود إلى الواجهة ويستعيد مكانته في المشهد السياسي.