في خطوة تعكس تفاعلا مسؤولا مع قضايا الشأن المحلي، عقدت اللجنة المكلفة بالميزانية والشؤون المالية والبرمجة بمجلس جماعة مراكش إجتماعا يوم الجمعة 20 يونيو 2025، وذلك في إطار التحضير للدورة الاستثنائية المزمع تنظيمها غدا الإثنين 23 يونيو 2025 .
وقد تضمن جدول الأعمال عددا من النقاط البارزة، من بينها النقطة رقم 5 المتعلقة بتعديل مقرر المجلس رقم 296/10/2024، الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2024، بشأن نزع ملكية العقارات المحاذية لواد إيسيل، في سياق تنزيل برنامج عمل الجماعة للفترة 2023-2028.
غير أن هذه النقطة الحساسة أرجئت إلى أجل لاحق، في قرار لم يمر دون أن يلفت إنتباه المتتبعين، إذ قرئ من طرف العديد كعلامة على وعي جماعي يتنامى داخل المؤسسة التمثيلية، وحرص على التريث في ملفات تمس بشكل مباشر حقوق المواطنين، في ظرفية تتسم بتوتر إجتماعي حول شرعية بعض الترخيصات المرتبطة بالعقارات .
وفي هذا السياق، عبر السيد رشيد زلاغ، عضو مجلس مقاطعة النخيل، عن موقفه بوضوح ومسؤولية، من خلال تدوينة نشرها عقب الإجتماع، أعلن فيها أنه تقدم بطلب رسمي إلى رئيسة المجلس الجماعي، إلتمس فيه تأجيل مناقشة هذا الملف إلى حين البث في الشكاية المرفوعة إلى السيد وزير الداخلية، والمتعلقة بمدى قانونية الترخيص الذي بني عليه قرار نزع الملكية.
ويستند هذا المطلب إلى مسار ترافعي طويل، بدأ منذ سنة 2022 حين وجه زلاغ مراسلة رسمية إلى السيد والي جهة مراكش آسفي والسيدة رئيسة المجلس الجماعي، أعقبتها رسالة تذكير سنة 2023، قبل أن يتطور الملف خلال سنة 2025 بتقديم طعن قانوني في الترخيص الممنوح للمشروع، وجه إلى كل من الوكالة الحضرية ورئيسة المجلس الجماعي، كما أوكل محاميا للترافع في الموضوع، وجه بدوره رسالة إلى السيد وزير الداخلية، إلتمس فيها إيفاد لجنة للتحقيق في القضية، مع إشعار رسمي لرئاسة المجلس الجماعي بضرورة تأجيل إدراج النقطة ضمن جدول أعمال الدورة إلى حين البث في موضوع الطعن .
وفي خضم هذا المسار، يطرح تساؤل جوهري حول مدى إستيفاء المشروع للشرط القانوني الأساسي المتمثل في تحقيق المنفعة العامة، كما تنص على ذلك المقتضيات القانونية ذات الصلة، خاصة وأن الموقع المزمع إستغلاله يمتد على جنبات واد إيسيل، بما يشكله من مجال بيئي حساس، محكوم بضوابط إرتفاق مجاري المياه والطرقات، وفق ما تنص عليه القوانين المنظمة للتعمير وحماية الملك العمومي المائي ، وهو ما يعيد النقاش حول مدى إحترام هذه الضوابط، ومدى مشروعية إستغلال آلية نزع الملكية في مشروع لا يحمل طابعا إجتماعيا أو تنمويا واضحا لفائدة العموم .
ولم يكتف زلاغ بإثارة الجانب القانوني ، بل شدد كذلك على ضرورة صون مبادئ الشفافية والإنصاف في تدبير الملفات العقارية، داعيا إلى الالتزام بروح النصوص التنظيمية وإحترام الخصوصيات العمرانية والثقافية التي تميز المجال المحيط بالمدينة العتيقة.
كما عبر عن إمتنانه للساكنة وكل الفاعلين الذين تفاعلوا بإيجابية مع هذا المستجد، منوها بروح التضامن التي أطرت مواقف عدد من المتدخلين، ومؤكدا أن المصلحة العامة ينبغي أن تبقى فوق كل الإعتبارات الضيقة، بعيدا عن منطق الإمتياز أو الإستفراد بالقرار.
ولعل ما يحسب للسيد رشيد زلاغ، في هذا السياق، ليس فقط مداخلته أو موقفه الظرفي، بل أيضا حضوره الدائم في النقاش العمومي المحلي، وإنخراطه الميداني في قضايا المواطنين بإنحياز واضح لقيم الشفافية والمساءلة ، فقد إستطاع، عبر تتبعه الدؤوب لهذا الملف وغيره من القضايا الشائكة، أن يرسخ صورته كفاعل سياسي يعبر عن إنشغالات الساكنة ويصغي لصوتها، في زمن باتت فيه الثقة بين المواطنين ومنتخبيهم في حاجة ماسة إلى ترميم حقيقي.
تضع هذه القضية من جديد إشكالية التوازن بين ضرورات التنمية الحضرية وحقوق الساكنة في الواجهة، وتعيد طرح سؤال جوهري حول مدى نضج الفعل التمثيلي وقدرته على إنتاج قرارات عادلة ومتوازنة. إنها لحظة كاشفة لما يمكن أن يكون عليه الفعل المحلي عندما يُدار بمنطق تشاركي، يستحضر مصلحة المدينة ومصير الإنسان معًا، بدل أن يختزل في منطق التدبير التقني البارد أو الحسابات السياسية الضيقة.