هناك لحظات لا ينساها الإنسان ما دام حيًا، ومن أصعبها أن يرى أمه بين الحياة والموت، يصارع جسدها المرض، بينما تظل روحها معلقة بالله وحده. عشت مع أمي، رحمها الله، قرابة ثلاثين يومًا في المصحة، أراقب ألمها، وأدعو الله في كل لحظة أن يخفف عنها، وكانت هي، رغم شدة وجعها، لا تذكر إلا الله، وتردد دائمًا: “حسبي الله ونعم الوكيل.”
كانت أمي، رحمها الله، نعم الأم ونعم الخالة، صاحبة قلب رحيم لا يعرف إلا المحبة والعطاء. احتضنت أبناء إخوتها وأخواتها، وأحسنت إليهم، وفتحت لهم بيتها وقلبها، ولم تبخل عليهم يومًا بحنانها أو اهتمامها. كانت تؤمن بأن صلة الرحم عبادة عظيمة، تؤديها ابتغاء مرضاة الله، دون أن تنتظر شكرًا أو مقابلاً من أحد.
وفي أيامها الأخيرة، وهي بين الحياة والموت، كان يؤلمها ما تعرضت له من بعض المواقف التي صدرت من أشخاص كانوا من أقرب الناس إليها. ولن أذكر أسماء أحد، وسأكتفي بالحرفين الأولين (م…) و**(ع…)**، والله وحده يعلم الحقيقة، وهو سبحانه خير الحاكمين. لم تكن تدعو على أحد، ولم تطلب الانتقام، بل كانت تفوض أمرها إلى الله، لأنها كانت على يقين بأن عدله لا يغيب، وأن حق المظلوم محفوظ عنده.
لقد انتظرت أمي زيارة، أو كلمة طيبة، أو دعاء صادقًا ممن كانت تعتبرهم أبناء قلبها قبل أن يكونوا من أهلها، لكن الأقدار شاءت أن ترحل إلى ربها، ويبقى الله وحده شاهدًا على كل ما عاشته. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44].
إن أكثر ما يؤلم بعد رحيل الأم ليس الدموع وحدها، بل استحضار كل ما قدمته من خير وإحسان، ثم التساؤل: أين كان من أحسنت إليهم عندما كانت في أمسّ الحاجة إلى دعائهم ووقوفهم إلى جانبها؟ إنها أسئلة يجيب عنها الضمير قبل أن يكون الحساب عند الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ومع كل هذا الألم، فإنني لا أحمل في قلبي كراهية لأحد، وأشهد الله أنني سامحت كل من أساء إلى أمي أو قصّر في حقها، وأفوض أمري إلى الله، فهو العدل الذي لا يظلم أحدًا، وهو خير الحاكمين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]. وقال رسول الله ﷺ: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».
رسالتي إلى كل عائلة: لا تؤجلوا صلة الرحم، ولا تؤخروا زيارة مريض، ولا تنتظروا خبر الوفاة لتقولوا: “ليتنا زرناه.” فقد تكون دقائق قليلة تقضونها مع مريض سببًا في جبر خاطره ونيل الأجر العظيم عند الله. تمسكوا بأرحامكم، وكونوا سندًا لبعضكم، فالدنيا زائلة، ولا يبقى بعد الرحيل إلا العمل الصالح والذكر الطيب.
اللهم ارحم أمي رحمةً واسعة، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، ونوّر لها قبرها، واغفر لها، واجعل كل إحسان قدمته في حياتها في ميزان حسناتها، واجمعنا بها في الفردوس الأعلى، وأصلح بين القلوب، وأبعد عن العائلات الظلم وقطيعة الرحم، إنك سميع مجيب.