رحلتي مع السرطان ” ✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني].

 

الحياة ليست عادلة دائما ، لكنها جميلة بما يكفي لنعيشها كما يجب.
حين أخبرني الطبيب أن السرطان قد قرر أن يكون رفيقي في هذه الرحلة ، لم أبكِ.. أنهار ، فقط نظرت إليه كما أنظر لأي تحدٍ جديد في حياتي.
كان بإمكاني أن أستسلم ، أن أتحول إلى سجين سريري أعد الأيام والليالي بٱنتظار النهاية ، لكنني ٱخترت العكس.. ٱخترت أن أعيش قبل بلوغ أجلي.

حين ينهكني المرض وأجد نفسي طريح الفراش ، فذلك واقع لا يمكن إنكاره ، لكنه مجرد جزء من قصتي وليس القصة كلها…
فأنا حين أستعيد قوتي ، أفتح التلفاز لأشاهد الأخبار ، وأحمل قلمي لأكتب مقالاتي الصحفية ، وأجالس أصدقائي لأضحك معهم ، وأذهب للتنزه برفقتهم ، وأمارس رياضتي التي تعيد لي إحساس الحياة في عضلاتي. الحياة لم تتوقف عند المرض ، بل على العكس ، ربما أصبح لها معنى أعمق…

هناك من يرى في المرض لعنة ، ولكني وجدته نعمة.. نعمة جعلتني أقدّر كل لحظة صحة ، وأفهم أن الأيام التي نقضيها في السعي وراء المال أو السلطة أو المشاكل التافهة هي أيام ضائعة.
المرض علمني أن أكون أقوى ، أن أكون أكثر تسامحا ، أن أحب بصدق ، وأن أعيش بلا تأجيل وأعيد ترتيب أوراقي…
صار كل شيء واضحا أمامي ، الحياة ٱختبار ، والمهم هو طاعة الله ورسوله ، والتحلي بالأخلاق ، لأن هذه هي الثروة الحقيقية التي نحملها معنا.

ومع هذا ، لم يكن الطريق سهلا… ٱكتشفت في رحلتي مع المرض أن المحن تُظهر معادن الناس على حقيقتها ، فهناك من كنت أظنهم أقرب الناس إلي ، لكنهم ٱبتعدوا وكأن المرض قد أصبح حاجزا بيني وبينهم. لم أجد منهم دعما نفسيا ، ولم أسمع منهم سوى كلمات ، كأنهم يخشون الإقتراب مني.. لكن في المقابل ، كان هناك آخرون ، أصدقاء وأفراد من العائلة ، لم يتوقفوا عن دعمي. كلماتهم كانت بلسما لي ، وٱهتمامهم أعطاني دفعة للٱستمرار.. هؤلاء هم من عرفت قيمتهم الحقيقية ، هم من يستحقون أن أذكرهم بالحب والإمتنان ، وكل واحد منهم له مكان خاص في قلبي وفي دعائي أثناء سجودي.

ولا أنسى جدتي«رحمها الله» ، التي كانت أكبر داعم لي.
لطالما كانت تدعو لي أن يمنّ الله علي بالشفاء ، لكنها كانت في الوقت نفسه ترجوه أن يتوفاها قبلي.. وقد ٱستجاب لها ربنا الكريم ، رحلت وقلبي يمتلئ بالشوق إليها ، لكنها تركت وراءها دعواتها التي لا تزال تملأ حياتي بالسكينة.

وإلى جانب جدتي ، وجدت في زوجتي السند والظهر ، فهي التي لم تتركني لحظة ، كانت ولا تزال تسهر الليالي ، سواء بجانبي حين أكون طريح الفراش ، أو غارقة في بحر التفكير…
شبح مرضي يقلقها أكثر مما يقلقني ، نظراتها وحدها تحكي حكاية من الألم والقلق ، لكن رغم ذلك ، لم تتوقف يوما عن منحي القوة ، عن إخفاء دموعها كي لا أضعف ، وعن منحي حبًا يجعلني أشعر أن الحياة لا تزال تستحق أن تُعاش.

وهناك من الأحبة الذين لا يزالون يتفقدون حالي أكثر مما أفعل أنا نفسي ، أناس لا تجمعني بهم سوى المحبة الخالصة ، ومع ذلك أشعر أنني في أعينهم شخص مهم وأهم ، لا يتركونني للحظة ، ويجعلونني أستشعر أنني لست وحدي في هذه الرحلة.. لهم مني أرقى معاني الحب والتقدير ، كل واحد بٱسمه ، وأدعو الله أن يحفظهم جميعا.

لم أخبئ مرضي عن أسرتي الصغيرة ، حتى عن أبنائي الصغار ، لم أرد أن أخلق في داخلهم خوفا زائفا أو جدارا بيننا ، بل أردت أن يكون مرضي حافزا لهم ، ليكبروا أقوى ، ويواجهوا الحياة بصلابة ، وليتعلموا أن المرض ٱبتلاء يحمل بين طياته غفران الذنوب وتطهير القلوب قبل لقاء الله. أردت لهم أن يفهموا أن الحياة ليست دائما سهلة أو مريحة ، بل فيها العسر واليسر ، مصداقا لقوله تعالى:
{فإنَ مع الْعسر يسرا ، إن مع الْعسر يسرا} ، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع ، أن الإبتلاء ليس نهاية ، بل بداية لطريق جديد ، مليء بالرضا والتسليم لحكمة الله.

لكن بصراحة ، لم أعد أفضل العيش أكثر من ذلك ، ليس بسبب مرضي ، ولكن بسبب ما آل إليه المجتمع من تدني في الأخلاق والقيم ، وتفكك العلاقات العائلية ، مما يجعل الحياة بلا طعم.
لم يعد هناك دفء في العلاقات…
لم يعد للروابط الحقيقية مكان… وصرت أجد في المرض أهون من رؤية هذا الإنحدار القاسي الذي أصاب الإنسانية.

ورغم ذلك ، أحمد الله كثيرا ، فقد حققت معظم أمنياتي بفضله وكرمه ، ولم يبقَ لي سوى أمنية واحدة فقط ، وبعدها سأعانق الموت بٱبتسامة عريضة ، وأسأل الله حسن الختام لي ولكم ولجميع المسلمين.

أما اليوم ، فأنا على أتم ٱستعداد للرحيل ، فالله تعالى أعلم بالسرائر…
لا أخشى الموت ، فقد صرت أراه بوابة لقاء مع الرحمن ، وما أجمله من لقاء حين يكون الإنسان مستعدا.
أنا هنا ، أعيش ، أشاهد ، أكتب ، وأحب.. بكل ما أملك من حياة ، وعندما يحين موعد الرحيل ، سأرحل بقلب راضٍ ، ممتن لكل لحظة عشتها ، ولكل شخص مر في حياتي وترك فيها بصمة أمل.

وقولا مني ، أترك هذه الحكمة التي تلخص رحلتي:
«المرض ليس النهاية ، بل مرآة تعكس ما بداخلنا ، إما أن نرى فيه الضعف والإستسلام ، أو نراه فرصة لنعيش الحياة بصدق ، بعيدا عن الأوهام».

أود أن تكون رحلتي هذه التي لا تزال مستمرة ، نورا يضيء طريق كل من يمر بتجربة المرض أو يواجه أي محنة في حياته…
لا أكتب هذه الكلمات لتروي قصة حزن.. بل لأهمس في أذن كل قارئ:
«لا تدع الألم يخنق نورك ، ولا تسمح للظروف أن تسرق منك شغف الحياة».

قد يبدو الطريق معتما أحيانا ، قد تنهار …
قد تشعر أن الحياة تضيق بك ، لكن تذكر دائما أن خلف كل ليل حالك ، هناك فجر ينتظر أن يشرق.
لا تستسلم ، لا تنكسر ، بل قف مجددا ، حتى لو كان وقوفك واهنا ، فالأمل لا يحتاج إلى قوة جسدية ، بل إلى إيمان بأن الغد قد يحمل بين طياته معجزة لم تكن تتوقعها.

إن كانت كلماتي هذه تصل إليك ، فأعلم أنك لست وحدك ، وأن للحياة دوما وجها آخر ، وجها مليئا بالفرص ، بالحب ، وبأشياء لم تكتشفها بعد… فعِش ، بكل ما فيك من إصرار ، لأن الحياة لا تقاس بعدد الأيام.. بل بمدى القوة التي نحارب بها لنعيشها بكل صدق.

Comments (0)
Add Comment