دوارة تُباع بسبعمائة درهم.. لا عقل يصدّق ولا منطق يستقيم!…

 

 

✍🏼 بقلم: [هشام الدكاني]

 

في مغرب 2025 ، حيث اللاعقل هو القاعدة والعقل هو الٱستثناء ، ظن المواطن لوهلة أنه سينعم ببعض الهدوء المالي بعد القرار الملكي الحكيم بعدم ذبح الأكباش هذه السنة.

القرار جاء في وقت تعاني فيه جيوب المغاربة من فقر دم حاد ، سببه حكومة تعتنق مذهب (رأس المال أولا والمواطن أخيرا) إن وُجد!

الكل تنفس الصعداء وقال:

«أخيرا.. سنرتاح من طقوس الذبح والتباهي ، ومن قرض العيد الذي يستمر تسديده إلى عيد السنة القادمة…» ، لكن يبدو أن الٱرتياح لم يدم طويلا.

 

فبقدرة قادر ، أصبحت الدوارة.. نعم ، تلك الأحشاء التي كنا لا نأبه بها إلا بعد الغسل والتقشير ، تُباع بأسعار جنونية تتراوح بين 500 و700 درهم ، وكأنها لحم (واغيو الياباني) ، أو كأن الخروف الذي أُخذت منه ، كان يتغذى على (الكافيار ويركض في جبال الألب!!).

– أمعقول هذا؟

– دوارة بثمن خروف في زمن مضى؟

– أين عقول الناس؟

– وأين ضمير من يبيع ومن يشتري؟

 

الظاهرة تكشف مفارقة مغربية أصيلة:

«كل ممنوع… مرغوب ، بل ويأخذ قيمة أسطورية ، ولو كان من الفضلات!!!»

وكأننا شعب لا يحترم نفسه إلا حين يُذلّ ، ولا يعرف كيف يفرح إلا حين يُستنزف.

والأدهى من هذا كله ، أن المواطن نفسه الذي ٱشتكى الغلاء بالأمس ، هو من يقف اليوم في طوابير طويلة لشراء (دوارة العز) ، ويعتبر الأمر (واجبا شعبيا) ، بل ويقول لك بوجه منشرح:

«العيد بلا دوارة.. ما عيد ما تاوزة!»

وكأن العيد عبادة بطن لا تكتمل إلا بدوارة!!

 

أيها المغاربة ، هل أذكّركم بعام الخميرة؟ حين ٱرتفعت أسعارها فجأة وكأنها مادة كيماوية مشعة ، وتحولت إلى بضاعة نادرة تُباع سرًا وتُهرّب كما يُهرّب الحشيش…

أليس هذا هو نفس السيناريو الرديء يتكرر؟ مادة بسيطة ، تُمنع أو تقل ، فيرتفع الطلب عليها في جو هستيري ، ويبدأ المواطنون في تمجيدها وكأنها كنز فرعوني مكتشف لتوّه!!!

 

لم يعد الغلاء ظاهرة ناتجة فقط عن السياسات العرجاء ، بل أصبح المواطن نفسه شريكا فاعلا في هذه الجريمة الإجتماعية.

نعم ، حين تقبل أن تشتري (دوارة) ب700 درهم ، فأنت لا تُذل نفسك فقط ، بل تُشجّع تاجرها أن يعود إليك العام القادم ويبيعها لك ب7000درهم.

 

الإحتفال ليس في المائدة ، ولا في الدوارة ، ولا في التفاخر بمن ٱشترى أكثر ، بل في أن تحافظ على كرامتك وإنسانيتك وعقلك… فالعيد الحقيقي يبدأ حين نقرر جميعا أن لا نكون طرفا في مهزلة جماعية ، تُمارس علينا ، فنمارسها على بعضنا.

وإذا كان كل ممنوع مرغوب ، فالممنوع الوحيد الذي لم نرغب فيه بعد هو ٱستخدام عقولنا… يبدو أنه أغلى سلعة ، لكن لا أحد على ٱستعداد لشرائها في عصر التفاهة.

Comments (0)
Add Comment