خُطبة الجمعة تحت الإحتلال الوزاري!….

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

يا للغرابة! ويا لسخرية الأقدار!
في بلدنا السعيد ، حيث الوزراء يُعمِّرون أطول من الزيت في الطاجين ، خرج علينا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، السيد «أحمد التوفيق» ، بتصريح يُحسب في موسوعة غرائب التصريحات الوزارية، قائلاً ، ويا ليته ما قال:
«إن الأئمة الذين لا يلتزمون بالخطبة الموحدة (خوارج)» ، نعم خوارج! وكأننا رجعنا إلى زمن الخلافة الكبرى ، ووزيرنا الفاضل هو الآمر بصرف الألقاب!

أيها السادة،
دعونا نفكك هذا التصريح الخارق تفكيكا علميا ، نفسيا ، فقهيا ، وكوميديا كذلك ، حتى لا نُتّهم نحن بدورنا بالخروج… عن طورنا.

✓أولا، من الناحية الفقهية:
(الخوارج) لمن نسي التاريخ أو لم يسعفه التعليم ، هم فرقة خرجت على الإمام الشرعي ، وكفّرت المسلمين بالذنوب ، ورفعت شعار «لا حكم إلا لله».
أما أئمتنا ، فهم لا يريدون أكثر من أن يخاطبوا الناس بما يرونه مناسبا في خطبة الجمعة ، التي كانت يوما منبرا حُرّا للحق والرشاد ، قبل أن تتحول إلى نشرة جوية مقدسة تُملى من فوق.

✓ثانيا ، من الناحية السياسية:
تصريحات كهذه تكشف عمق الأزمة التي نعيشها بين من يُفترض أن يكون راعيا للخطاب الديني وبين الواقع المتحرك!!
الوزير الذي جلس على كرسي الوزارة منذ عهد (الديناصورات) ، يبدو أنه قرر أن يُخلد نفسه لا فقط بالمنصب ، بل أيضا في الذاكرة الشعبية بتصريحات تصلح لعرض (ستاند أب كوميدي) في ساحة ما.

✓ثالثا ، من الناحية النفسية:
هذا النوع من الخطاب السلطوي يعكس نزعة سيطرة تتلبس صاحبها إلى حد الإعتقاد أن ما يُملى من الوزارة وحيٌ سماوي ، ومن يخالفه فقد خرج من الملة أو كاد!!!
إنها محاولة خرقاء للجم الفكر ، وتسفيه الإجتهاد ، وترويض المنبر ليصبح بوقا لا ضميرا.

✓ورابعا ، من الناحية المسرحية:
ما أروع المشهد.. إمام بسيط في قرية نائية ، يُلقي خطبته من قلبه ، يوصي الناس بالخير والصبر ويُدين الغلاء… ثم تصله رسالة من المندوبية: (أنت خارجي) ، فيفتح فمه مثل ممثل كومبارس ، ويهمس:
أنا خارجي؟! «يا ربي ومنين جاتني هاد المصيبة؟».

لكن ، ثمة أسئلة عدة وجب طرحها:
– من يُهدد السلم الديني حقا؟
– هل هو الإمام الذي يُخاطب مجتمعه بلغته وهمومه؟
– أم من يريد تحويل المنبر إلى مكبّر صوت للوزارة؟
– وهل نخشى فعلا من أن يقول الإمام كلمته؟
– أم نخشى أن يستيقظ الناس على صوت لا يشبه بلاغات الحكومة؟

في النهاية ، نقول للسيد التوفيق:
إن (الخوارج) الحقيقيين ، هم من خرجوا عن روح الدين ، وعن ضمير الأمة ، وعن مقاصد الشريعة… لا من خرجوا عن الورقة المطبوعة المُعلّبة.
دعوا الأئمة يتنفسون ، فإن منع الهواء عنهم قد يجعلنا كلنا… نختنق.

Comments (0)
Add Comment