” خطاب ترامب.. تبسيط ساذج أم تبرير لٱستمرار الهيمنة؟ “

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

ٱنتشر (نص) منسوب إلى الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» ، يوجه فيه ٱنتقادات حادة للدول النامية ، وخصوصا الإفريقية والعربية! ، متهما إياها بسوء الإدارة والفشل في تحقيق التنمية رغم غناها بالموارد الطبيعية.
كما يدعو المهاجرين إلى العودة إلى بلدانهم لمحاسبة قادتهم بدلا من البحث عن فرص في أميركا!!
هذا الخطاب ، وإن بدا ظاهريا منطقيا ، إلا أنه يعاني من مغالطات تبسيطية تتجاهل العوامل التاريخية والسياسية والإقتصادية التي أدت إلى الوضع الحالي.

الخطاب المنسوب «لترامب» يتعامل مع التنمية وكأنها مسألة إرادة سياسية فقط ، متجاهلا أن الدول المستهدفة عانت لعقود من (الإستعمار) الذي لم يكتف بنهب الموارد الطبيعية ، بل ترك أنظمة ٱقتصادية غير متكافئة ومؤسسات ضعيفة…

«المغرب» كمثال:
خرج من الإستعمار الفرنسي والإسباني في منتصف القرن العشرين ، لكنه ورث بنية ٱقتصادية تخدم المصالح الإستعمارية ، حيث ثم توجيه الإستثمار نحو القطاعات التي كانت تفيد المستعمر ، مثل:
الفلاحة الموجهة للتصدير ، بدلا من بناء ٱقتصاد صناعي متكامل يخدم حاجات السكان المحليين.
وبعد الإستقلال ، ظلت هذه الدول خاضعة لٱتفاقيات ٱقتصادية غير متكافئة ، تضمن ٱستمرار التبعية للأسواق الغربية.

يركز النص على أن القادة في الدول النامية ينهبون الثروات ، متجاهلا أن الفساد ليس مجرد أفعال فردية ، بل جزء من بنية سياسية وٱقتصادية معقدة…
في كثير من الحالات ، يثم دعم الأنظمة الفاسدة من قِبل القوى الكبرى نفسها ، لضمان ٱستمرار مصالحها.

المغرب مثل العديد من الدول ، يعاني من ٱنتشار الفساد ، لكنه ليس مشكلة داخلية فقط ، بل هو جزء من منظومة عالمية..
الشركات متعددة الجنسيات ، والبنوك الغربية ، والملاذات الضريبية ، كلها تلعب دورا في تسهيل تهريب الأموال وإبقاء النخب الحاكمة في وضع يسمح لها بمواصلة سياسات غير شفافة.
فمن غير المنطقي أن يُطلب من الشعوب محاسبة قادتها ، بينما تُحمى الثروات المنهوبة في بنوك عالمية تتبع سياسات تسمح بغسيل الأموال.

يصور النص «التنمية» وكأنها مسؤولية داخلية فقط ، دون الإعتراف بالدور الذي يلعبه النظام الإقتصادي العالمي في عرقلة التنمية في الدول النامية.

عندنا على سبيل المثال ، نعتمد بشكل كبير على القروض الخارجية ، التي تأتي بشروط مجحفة تفرض سياسات تقشفية تحد من الإنفاق على القطاعات الإجتماعية!
كما أن الإتفاقيات التجارية التي يُفرض علينا توقيعها غالبا ما تجعله سوقا للمنتجات الغربية بدلا من أن يكون قوة إنتاجية مستقلة.

أحد الأمثلة الواضحة هو ٱتفاقيات الصيد البحري مع الإتحاد الأوروبي ، التي تسمح لشركات أوروبية بٱستغلال الثروة السمكية المغربية مقابل مبالغ زهيدة!!
في حين يُحرم الصيادون المحليون من فرص حقيقية للإستفاذة من موارد بلدهم!!!

يدعو (الخطاب) إلى بقاء المهاجرين في بلدانهم لمحاربة الفساد بدلا من البحث عن حياة أفضل في أميركا.. لكن ، هذا الطرح يتجاهل أن الهجرة ليست مجرد «نزعة للهروب» ، بل نتيجة مباشرة لٱنعدام الفرص والظروف القاسية.

المغرب مثل العديد من الدول العربية ، يشهد نسبة بطالة مرتفعة ، خصوصا بين الشباب وحاملي الشهادات العليا…
في ظل غياب سياسات ٱقتصادية توفر فرص عمل حقيقية ، يصبح البحث عن مستقبل خارج الوطن خيارا ٱضطراريا.

كما أن (الخطاب) يتجاهل أن الدول الغربية نفسها بُنيت على الهجرة..
«الولايات المتحدة» على سبيل المثال ، لم تصبح قوة عظمى لأن سكانها الأصليين فقط عملوا على تطويرها ، بل بسبب موجات متتالية من المهاجرين الذين ساهموا في بناء ٱقتصادها.
– فكيف يمكن لدولة مثل أميركا التي ٱستفادت تاريخيا من الهجرة ، أن تلوم الآخرين على السعي نحو نفس الفرص التي ٱستغلها أجداد الأميركيين أنفسهم؟!

يدعو النص إلى محاسبة القادة الفاسدين في الدول النامية ، لكنه لا يتطرق إلى الطريقة التي تتعامل بها القوى الغربية مع الأنظمة غير الديمقراطية.

في المغرب مثلا ، هناك دعم مستمر لأنظمة لا تُطبق معايير الديمقراطية بشكل حقيقي ، لكن هذا لا يمنع الدول الغربية من إقامة شراكات ٱقتصادية وأمنية معها.
عندما تحدث ٱحتجاجات تطالب بالإصلاح ، غالبا ما يتم قمعها تحت ذريعة (الإستقرار) ، في حين أن القوى الكبرى تغض الطرف ، لأنها تفضل التعامل مع أنظمة مستقرة تخدم مصالحها على دعم تغيير قد يؤدي إلى خسارة نفوذها.

– إذا كانت الديمقراطية والمساءلة من الأولويات الحقيقية ، فلماذا تدعم القوى الكبرى أنظمة تكرس نفس الأوضاع التي تنتقدها؟

يُقدّم (النص) أميركا على أنها نموذج مثالي للنجاح والتقدم ، لكن الواقع يُظهر أن «الولايات المتحدة» نفسها تعاني من أزمات خطيرة ، مثل:
التفاوت الطبقي ، العنصرية ، الفساد السياسي ، وهيمنة الشركات الكبرى على القرار السياسي…

في حين يتحدث (النص) عن ضرورة إنتاج الدول النامية لأدويتها بدلا من الإعتماد على منظمة الصحة العالمية ، نرى أن «أميركا» نفسها لم تستطع التعامل مع أزمة (كورونا) بشكل فعال ، رغم إمكانياتها الضخمة!
كما أن ملايين الأميركيين يعانون من غياب التأمين الصحي ، ما يعني أن فكرة «الدولة المتقدمة» التي حلت جميع مشاكلها.. ليست دقيقة.

الخطاب المنسوب «لترامب» يُقدّم نظرة ٱختزالية لأزمة التنمية والهجرة ، متجاهلا العوامل التاريخية ، والسياسات الإقتصادية العالمية ، ودور الفساد الممنهج الذي لا يقتصر على الدول النامية وحدها.
تحميل الشعوب وحدها مسؤولية التغيير دون الإعتراف بالعوامل البنيوية التي تعيق التنمية يُعدّ مغالطة كبرى.

«المغرب» كحالة دراسية ، يواجه تحديات حقيقية ، لكن هذه التحديات ليست فقط نتيجة قرارات داخلية سيئة ، بل هي جزء من منظومة دولية أوسع تكرس التفاوت الإقتصادي ، وتحافظ على بنى سياسية تخدم مصالح محددة.

إذا كان الحل يكمن فعلا في (تحمل المسؤولية) ، فمن الأولى أن تبدأ القوى الكبرى بمراجعة سياساتها ، بدلا من إلقاء اللوم على «الشعوب» التي تكافح يوميا للبقاء في أنظمة غير عادلة.
حقا ، هزلت..!

Comments (0)
Add Comment