حين يتحول القبول الإجتماعي إلى رأسمال سياسي بمراكش

محمد سيدي: بيان مراكش

في المشهد السياسي المحلي بمدينة مراكش ، يطفو إلى السطح مع إقتراب الإستحقاق الاانتخابي سؤال يرتبط بطبيعة النخب القادرة على الحفاظ على ثقة الساكنة ، ليس فقط عبر الخطاب السياسي أو الحضور الموسمي ، بل من خلال الاستمرارية في التواصل والقدرة على بناء صورة عمومية متوازنة داخل المجتمع المحلي ، ويزداد هذا السؤال حدة في سياق يتسم بتنامي توزيع التزكيات وتهافت عدد من السياسين على مواقع التمثيل ، في وقت تبدو فيه ساكنة مراكش و غيرها أكثر ميلا إلى تقييم الأشخاص بمنطق القرب الاجتماعي والأخلاق الشخصية أكثر من الانتماءات الحزبية وحدها.

و في مقابل هذا التهافت الانتخابي البرلماني ، يلفت الانتباه استمرار حضور بعض الأسماء داخل الوعي الجماعي للساكنة دون حاجة إلى ضجيج سياسي أو حملات مبكرة ومن بين الأسماء اسم السيد عبد الرحمان الوفا باعتباره من الأسماء التي استطاعت، أن تبني حضورا قائما على الهدوء والتواضع والابتعاد عن منطق الصدام السياسي المباشر ، وهي خصائص باتت تكتسب أهمية متزايدة داخل المجتمع المحلي، خصوصا في ظل تنامي النفور الشعبي من بعض الممارسات المرتبطة بالصراع الانتخابي أو التوترات التي ترافق تدبير الشأن العام عند بعض السياسين .

ويبدو أن جزءا من النقاش الدائر اليوم لا يرتبط فقط بموقع الرجل باعتباره برلمانيا ورئيسا لـجماعة المشور القصبة، بل يتجاوز ذلك نحو التساؤل حول مستقبله السياسي وإمكانية استمراره في خوض محطات انتخابية قادمة ، فداخل بعض الأوساط المحلية ينظر إلى السيد الوفا باعتباره نموذجا لفاعل سياسي استطاع أن يحافظ نسبيا على صورة متوازنة تجمع بين المسؤولية المؤسساتية والسلوك الشخصي المتزن ، دون انخراط واضح في أساليب الاستقطاب الحاد أو النزاعات الهامشية التي كثيرا ما تضعف صورة المنتخبين لدى الرأي العام.

غير أن هذا النقاش يكشف في العمق عن تحولات أوسع يعرفها المجال السياسي المحلي، حيث لم تعد الساكنة تبحث فقط عن “المرشح القوي سليط اللسان ” ، بل أصبحت تميل إلى البحث عن شخصية تحظى بقبول أخلاقي واجتماعي، وقادرة على تمثيل صورة أكثر هدوءا واتزانا للعمل السياسي .

وهنا يظهر التفاوت بين منطق التنافس الانتخابي التقليدي القائم على الحسابات الحزبية ، وبين منطق آخر يتشكل داخل المجتمع ، يقوم على الرغبة في إعادة الاعتبار للصورة الأخلاقية للفاعل العمومي .

وفي المقابل فإن استمرار تداول اسم الوفا داخل النقاش العمومي المحلي يعكس طبيعة العلاقة المركبة بين الساكنة والنخب الساسية ، حيث تتحول بعض الشخصيات إلى موضوع لتوقعات جماعية تتجاوز حدود المناصب الحالية ، كما أن هذا التداول لا يمكن فصله عن حالة القلق التي ترافق جزءا من المواطنين تجاه مستقبل التمثيلية المحلية ، خصوصا في ظل شعور متزايد بأن بعض الوجوه التي تتصدر المشهد الانتخابي لا تنجح دائما في بناء جسور ثقة حقيقية مع المجتمع .

وعليه فإن حالة عبد الرحمان الوفا لا تختزل فقط في شخص منتخب أو مسؤول جماعي أو برلماني ، بل تعكس نموذجا للنقاش الدائر حول معنى “القبول الاجتماعي” في السياسة المحلية والوطنية ، وحول قدرة بعض الشخصيات على الحفاظ على رصيد رمزي قائم على الاحترام والهدوء والتواصل، في زمن أصبحت فيه الثقة إحدى أكثر القيم ندرة داخل المجال السياسي.

وبين منطق الحسابات الحزبية الذي تتحكم في توزيع التزكيات ، ومنطق القبول الإجتماعي الذي تعبر عنه فئات واسعة من الساكنة ، يظل اسم عبد الرحمان الوفا حاضرا وبقوة باعتباره نموذج لفاعل استطاع الحفاظ على قدر كبير من الثقة والاحترام داخل المجال العمومي ، وبين الحساب السياسي البارد وحرارة التقدير الاجتماعي، يبرز سؤال الاستمرارية كمعيار حاسم لقياس قدرة الأحزاب على تحويل رأسمالها التنظيمي إلى تمثيلية ذات مصداقية داخل المجال المحلي فهل ستتمكن البنية الحزبية للأصالة والمعاصرة من توظيف هذا الرصيد الرمزي ، أم أنها قد تفوت فرصة الاستفادة من فاعل يحظى بقبول واسع داخل دوائر اجتماعية متعددة ؟

Comments (0)
Add Comment