✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في مدينة الرباط كما أشرت في المقال السابق ، وتحديدا في منطقة «حسان» العريقة ، يجري ما يشبه «المسح المنظم» لتاريخ ٱجتماعي وسكاني طويل ، تحت غطاء (إعادة التهيئة) و(تحسين المشهد العمراني) ، وهي عناوين براقة تخفي وراءها وجع التهجير ، وٱنكسار العائلات ، وٱغتيال ذكريات عريقة لساكنة لم تكن تتصور يوما أنها ستُجتث من جذورها ، ويُلقى بها خارج أحيائها لاحول ولا قوة!
الواقعة ليست شأنا بسيطا أو خلافا عقاريا عاديا ، بل هي جريمة ٱجتماعية صامتة تتم على مراحل ، وتحت أنظار الجميع ، كما كشف عن ذلك المستشار والأستاذ «فاروق المهداوي» ، في تصريحاته لعدة مواقع.
تصريحات تُقرع الأجراس وتضع النقاط على الحروف ، حيث تحدث الرجل بمرارة عن كيف غُربت أحياء بأكملها ، وكيف بيعت ممتلكات الناس بأثمان بخسة ، بل منها من لم يُعوّض ولو بسنتيمٍ واحد!!
والأخطر من ذلك ، حسب ما جاء على لسان الأستاذ فاروق ، هو أن القوانين التي تنظم هذا النوع من الإجراءات ، والتي من المفترض أن تكون صمام أمان للمواطن ودرعا ضد الشطط في ٱستعمال السلطة ، تم حرقها جهارا نهارا.. أي أن المساطر القانونية وعلى رأسها قانون نزع الملكية للمنفعة العامة لم تحترم ، بل تم ٱنتهاكها ، حيث لم يُعلن عن منافع عامة حقيقية ، ولم تُحترم شروط التعويض ، ولم تُعط للمواطنين فرص حقيقية للطعن أو الدفاع عن حقوقهم!!!
وفي خضم هذا الصمت الصادم ، خرجت بعض الأبواق الإعلامية والمؤسساتية الموالية ، لتبرير ما حدث وما سيحدث ، مروجة بأن ما يقع يتم باسم (التنمية) ، وأن تهجير المواطنين وتفكيك الأحياء هو ثمن ضروري (للازدهار) وتحقيق (الرؤية الجديدة للمدينة).
بل بلغ الأمر حد الترويج لهذا الخراب الإجتماعي بٱعتباره خطوة متقدمة في (تطور السياسة الحضرية) ، بل والأخطر من ذلك ، أنهم يستشهدون بالقانون نفسه لتبرير ما هو في حقيقته «خرق فاضح للقانون». قانون يُستخدم كشاهد زور ، تُلوى أعناقه وتُقطّع مضامينه ليخدم أجندة لا علاقة لها بالمصلحة العامة ، ولا تربطها صلة بالعدالة الإجتماعية.
وفي خضم هذا كله ، آثرت أغلب الأحزاب السياسية الصمت المطبق ، وكأنها تضع على فمها قفلا من ذهب!
صمت مريب لا يمكن تفسيره إلا بأنه (صمت لحاجة في نفس يعقوب) ، صمت يعكس تواطؤا ضمنيا أو خوفا من الإصطدام بمصالح جهات نافذة ، أو ربما ٱنتظارا لنصيبٍ مستقبلي من «كعكة العقار والإستثمار!!».
فالأحزاب التي يفترض أن تكون صوت الشعب والمدافعة عن حقوقه ، ٱختارت التواري في الخلف ، تاركة الساكنة في مواجهة مباشرة مع السلطة واللوبيات!!!
في قلب هذه الدوامة ، يبرز ٱسم «باشا منطقة حسان» ، الذي وُجّهت إليه ٱتهامات مباشرة من طرف المستشار «فاروق المهداوي» ، بكونه أحد المحركين الأساسيين لعملية الإجلاء والبيع دون وجه حق ، ودون ٱحترام لمقتضيات القانون. فالرجل كما وصفه الأستاذ «فاروق» ، يتصرف بجرأة غريبة ، كأنه فوق القانون ، وكأن لا أحد يردعه أو يسائله!
– فمِن أين له بهذه السلطة؟
– ومن هي الجهة التي توفر له الغطاء ليقوم بهذه الأفعال التي ترقى إلى مستوى الإنتهاك الجسيم للحق في السكن ، والحق في الكرامة الإنسانية؟
إن ما يحدث اليوم في «الرباط» ليس مجرد إفراغات ، بل هو شكل جديد من «التهجير الناعم» ، الذي يستهدف الفئات الهشة والمتوسطة ، ويعيد رسم الخريطة السكانية للمدينة بما يخدم مصالح مالية وٱستثمارية محضة.
إنها عملية إعادة تموقع طبقي ، يُقصى فيها القديم لصالح الجديد ، ويُرحّل فيها الفقير ليفسح المجال للرأسمال المتغوّل.
ووسط هذا الصمت الرسمي ، وغياب المحاسبة ، تُطرح أسئلة وجودية:
– أين هي العدالة الترابية التي يتغنى بها الجميع؟
– أين هو دور السلطة القضائية في حماية المواطنين من الشطط؟
– أين هي المجالس المنتخبة التي يُفترض أن تكون صوت الناس والمدافع عنهم؟
إنها ليست مجرد بيوت تُهدَم ، بل هو تاريخ يُمحى…
وهوية تُغتال…
وأمان ٱجتماعي يُبعثر…
والمأساة الكبرى أن كل هذا يتم بٱسم «القانون» ، بينما القانون الحقيقي حُرق ، كما قال الأستاذ «فاروق» ، وذُرَّ رماده في وجوه من كانوا يأملون أن تحميهم دولة الحق والمؤسسات.
ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط تحقيقا صحفيا أو تصريحا غاضبا ، بل وقفة وطنية حقيقية لإعادة الإعتبار للكرامة السكنية ، ولنزع الملكية العادلة ، وللقانون الذي يجب أن يُطبّق لا أن يُخرق.
فرباط اليوم ، ليست فقط عاصمة إدارية ، بل باتت مرآة تعكس صراعا مريراً بين (السلطة والمواطن) ، بين (القانون ومن يدهسه) ، بين (الذكرى والمنفى).
وفي النهاية ، سيبقى السؤال معلقا في وجدان كل من يقرأ هذه السطور:
كم من بيت يجب أن يُهدم ، وكم من عائلة يجب أن تُشرد ، حتى نعيد للعدالة معناها؟
حقا.. لك الله يا مغربي…