في حي سيدي يوسف بن علي بمراكش، ذلك الحي الشعبي العتيق، الذي لا تزال جدرانه تحتفظ بأصداء شعارات الحرية والكرامة، ولد وترعرع جيل آمن بأن النضال ليس فقط في الشارع، بل في كل تفاصيل الحياة. هذا الحي، الذي تنبع منه رائحة الخبز الطازج ممزوجة بصدى النخوة والرجولة، ظل لسنوات طويلة مدرسة في احترام الكبير، وتوقير الجار، وصون الكلمة.
ومن بين رموز هذا الحي، وُجد فرع لبنك ، كان يشكل جزءاً من نسيج المكان. لم يكن مجرد مبنى مالي، بل كان ملاذاً آمنا لسكان الحي، يترددون عليه بثقة تامة، يحملون ملفاتهم الصغيرة ومطالبهم البسيطة، ويخرجون بابتسامات صادقة، لأنهم يجدون المعاملة التي يستحقونها.
كان موقع هذا البنك يزيده بهاء، فهو يتوسط شارع أكدال، في بساتين أكدال تتمايل الأشجار على جانبي الطريق، وتفوح رائحة الربيع من كل زهرة، وتتسلل نسائم الذكريات من بين صهاريج المياه التي تزيّن المكان. إنه فضاء يستريح فيه القلب قبل العقل، مكان يحمل عبق الزمن الجميل، ورائحة الأمان.
لكن، كما تتغير الفصول، تغيّر حال هذا البنك، ليس بفعل الزمن، بل بفعل أيدٍ لا تقدّر قيمة المكان، ولا تحترم تاريخ الناس الذين يطرقون بابه.
اليوم… بعد أن تغيّر كل شيء
بعد تعيين سيدة مسؤولة بالوكالة، مصحوبة بطاقم من الشابات، بدأ شيء غريب يحدث. لم تعد الابتسامة تزيّن الوجوه، ولا الكلمة الطيبة تطمئن القلوب. أصبحت الأوامر تُلقى كالرصاص، والنظرات تُفسَّر كاتهامات. صار البنك وكأنه معسكر لا يرحم، تتحول فيه الطلبات البسيطة إلى جرائم، والزبناء إلى متهمين.
عبد الله… رجل واحد، لكنه حكاية جيل
عبد الله، رجل ستيني، من أوائل سكان الحي، وواحد من أوفى زبناء البنك منذ أكثر من ثلاثين سنة. يعرفه الجميع بوقاره وطيبته. يوم الجمعة 18 أبريل، قصد وكالته كعادته، يودع شيكاً، ويطلب بطاقة بنكية ودفتر شيكات. لم يكن ينتظر تكريماً، فقط معاملة تليق بسنّه وتاريخه ووفائه.
لكن الصدمة كانت قاسية. بعد إيداعه للشيك، طلب كالعادة وصلا يثبت العملية. القابضة، شابة حديثة العهد، رفضت ذلك بذريعة أن الطابعة لا تعمل. أصر عبد الله بلطف، فحصل فقط على ورقة مصورة من شاشة الحاسوب، دون توقيع أو ختم. طلبه كان واضحاً: إثبات رسمي بسيط. لكن الرد لم يكن مجرد رفض، بل إهانة.
قالت له المسؤولة ببرود يكسوه الاحتقار:
“الشيك ماشي حاجة كبيرة… سير فحالك… الله ياخذ فيك الحق… كذّاب… واش على سنك ما تحشم؟”
عبد الله خرج من هناك مكسور الخاطر، منكسر النفس، يجرّ خطواته ببطء وهو يتمتم:
“ثلاثين سنة وأنا زبون وفي… واش هذا جزائي؟”
كل ذلك حدث في غياب رئيس الوكالة، الذي لم يكن حاضرا لحظة الوقائع، وكأن الفراغ الإداري سمح للتجاوز أن يطفو على السطح. ولم يكن بالمكان سوى استثناء نادر يبعث على الأمل: فتاتان مهذبتان، الأولى تجلس في أقصى يمين الكونتوار، تراقب بصمت يحمل الاحترام، والثانية بمكتب محاد لمكتب رئيس الوكالة، تكتفي بنظرات شفقة وقلق دون أن تتجرأ على كسر جدار الصمت.
من النضال إلى الإذلال
كيف يعقل أن يتحول بنك في حي مناضل إلى فضاء تمارس فيه الإهانة العلنية؟ كيف يمكن أن تختزل قيمة الإنسان في حجم الشيك الذي يودعه؟ وأين ذهبت القيم التي بني عليها هذا الوطن؟
هذه ليست مجرد قصة رجل، بل حكاية حي، وصرخة صامتة من أناس فقدوا ثقتهم في مؤسسة كانت بالأمس منبر احترام.
رسالة إلى من يهمه الأمر
كرامة المواطن ليست خيارا. هي حقّ لا يساوَم عليه. والمؤسسات البنكية ليست فقط أرقاما وخدمات، بل وجوه، وقلوب، وذكريات.
نطالب، بلسان عبد الله، وكل من يعيش في هذا الحي، بفتح تحقيق نزيه، ومحاسبة من أساؤوا إلى الزبناء، وإعادة الاعتبار لفرع كان رمزا للثقة، فتحول إلى مصدر للخذلان.
في هذا الحي المناضل، لا ننسى من أكرمنا، ولا نسكت عمن أهاننا، وكرامتنا ليست للمساومة.
* قصة حقيقية وعبدالله- اسم مستعار