حين تصير الكرة أعظم من العقل.. ويغدو اللعب أهم من البحث العلمي!….

 

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في خضم جدل صاخب ٱجتاح وسائل التواصل الإجتماعي بالمغرب منذ أيام… برز حوار أشبه ما يكون بساحة «مصارعة فكرية» بين أستاذ جامعي وصحفي ، ٱختزل بدقة مأساة وطن يفضل اللعب على العقل ، ويمنح الكرة ميزانيات ، ويحجب عن البحث العلمي مجرد الإعتراف!

في تلك اللحظة التي قال فيها الأستاذ الجامعي بكل وضوح وألم:
«إن المغرب بلد متخلف لأنه يستثمر في الكرة بدلا من البحث والتعليم…»
جاءه الرد السحري من الصحفي:
«ولكن الكرة من نهضة الأمم» ، وكأن طريق التقدم يمر حتما من عشب الملاعب ، لا من مقاعد الجامعات ، ولا من رفوف المختبرات.

قد يبدو الحوار عابرا ، لكن من يتأمله جيدا يدرك أن المسألة أخطر بكثير ، إننا أمام أزمة وعي جماعي ، أمام ٱختلال في سلّم القيم حيث تُقدس الكرة ، وتهان الكتب ، ويصفق لمن يركض خلف كرة أكثر مما يُصفق لمن يركض خلف حقيقة.
وهنا نستحضر ليس فقط الواقع المعاش ، بل ما ورد في أخطر الكتب المثيرة للجدل:
«بروتوكولات حكماء صهيون» ، التي قالت صراحة إنهم سيُغرقون العالم في جنون المباريات ، ليصرفوا الشعوب عن القضايا الكبرى…
وقالوا أيضا بنص صريح:
«إنهم سيعملوا على زيادة صرف أذهاننا بإنشاء وسائل اللهو والرياضة…».

– أليس هذا ما نراه يتحقق اليوم؟
– أليست المجتمعات تغرق أكثر فأكثر في العبث الرياضي ، بينما تُستنزف طاقاتها وأموالها ووعيها في مباريات تُشاهد ، لا تُنتج؟
– أليست «فلسطين» تُقصف ، وسوريا تُذبح ، والتعليم يُخرب ، والعقل يُهاجر… بينما تتناسل الملاعب ، وتُعبّد الطرقات من أجل الحافلات الرياضية؟

نحن لا نهاجم الكرة ، بل ننتقد إلهامها المُفرط ، وتحويلها إلى أداة تخدير بدل أن تبقى وسيلة ترفيه.
ننتقد أن يتحول نقاش وطني من سؤال «لماذا ينهار التعليم؟» ، إلى «هل سيتأهل الرجاء أم الوداد؟!».

والأخطر ، حين يتحول بعض الصحفيين من نقل الحقيقة إلى بيع الوهم!
ومن الدفاع عن البحث والعلم إلى التغني بالمدرجات والركنيات!!

المضحك المبكي أن الأستاذ الجامعي حاول تذكيرنا بتجارب أمريكا اللاتينية ، التي عشقت الكرة حتى الثمالة ، فلم تحصد منها غير الفقر والإنقلابات.
لكنّ البعض يرى في الكرة «خلاصا» ، وفي الشغب «وطنية» ، وفي الملاعب «تنمية» ، وكأننا نقيس مؤشر التنمية البشرية بعدد الأهداف المسجلة!!!

– أليس من الجنون أن يُبنى ملعب بمليارات الدراهم ، بينما يتسرب آلاف التلاميذ من المدارس لغياب الأقسام والمرافق؟
– أليس من المعيب أن ننفق على مباراة واحدة أكثر مما ننفق على مختبر أبحاث في عام؟

إن هذا الحوار ليس مجرد ترف فيسبوكي ، بل مرآة لواقع مرّ… واقع بلد يستثمر في من يركض وراء كرة ، وينسى من يركض وراء ٱكتشاف ، واقع يرفع مشجعا ويُسقط مفكرا.

والأدهى من ذلك، أن هذه «العدوى» تسربت إلى البيوت!
صديقي العزيز «عبد النبي» ، مثالا حيًّا لا يمكن أن يُغفل في هذا السياق.
رجل بسيط وخدوم ، طيب وصادق ، مضحٍّ بكل ما يملك من وقت ومال وجهد… كي يرى ٱبنه الذي لا يتجاوز عمره 12 سنة ، لاعبا دوليًا ذات يوم ، لا ينقصه الإخلاص ، ولا الإبن تنقصه الموهبة ، فالولد فعلا يمتلك مهارات رائعة تُبشر بمستقبل كروي واعد ، لكن بيني وبين نفسي ، كثيرا ما تمنيت لو أن هذا الجهد ، وهذه التضحيات ، وذاك الشغف العظيم ، كان منصبًّا على دراسته ، على تفوقه العلمي ، على رعاية فكره قبل قدمه.

فمن يدري؟ لعل ذلك الطفل كان ليصبح عالم رياضيات يغيّر العالم ، لا فقط لاعب كرة يراوغ الخصم من الجهتين!

والمأساة لم تتوقف عند حدود تمجيد الكرة ، بل وصلت إلى العمق المجتمعي ، حيث صار أطفال هذا الوطن ، عن قناعة عمياء ، لا يحلمون بأن يكونوا أطباء أو باحثين أو مهندسين ، بل «رونالدو» جديد أو «حكيمي» آخر!!
تسأل طفلا في الحي الشعبي عن حلمه ، فيجيبك بلا تردد:
«نبغي نولي لَعّاب ف…» ، وتراه يركل قنينة بلاستيكية بمهارة أكبر من فهمه لدرس في مختلف العلوم…

والطامة الكبرى ، أن الوالدين أنفسهم صاروا يشجعون على هذا الحلم الذهبي ، ويستثمرون فيه أكثر مما يستثمرون في الكراسة والمحفظة…
أمهات يتباهين بمهارات أبنائهن في الضربات الركنية ، وآباء يحلمون بٱنتقال فلذات أكبادهم إلى نادٍ أوروبي أكثر مما يحلمون برؤيتهم يحملون شهادة جامعية.

في زمن ٱنقلبت فيه القيم ، صار الهاجس هو «الربح المادي» ، وصار القدوة هو اللاعب الذي يشتري سيارة فاخرة… لا الذي ينال جائزة نوبل!!!
مجتمع بأكمله صار يربط النجاح بلمعان الحذاء الذهبي لا بلمعان الذكاء.

وهكذا ، ونحن نهتف في المدرجات ، ونصفق للأهداف ، ندفن كل يوم هدفا أعظم: «هدف بناء أمة تفكّر ، لا فقط تفرح وتصي».

أمّا البحث العلمي.. فلنصبر عليه قليلا… ريثما يفوز المنتخب بالكأس

Comments (0)
Add Comment