✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في السياسة، ليست القرارات وحدها هي التي تقرأ، بل توقيتها أيضا.
فالتوقيت، في كثير من الأحيان، هو الرسالة الحقيقية التي تختبئ خلف القرار.
أن تقرر الحكومة المغربية إلغاء الساعة الإضافية ٱبتداء من 20 شتنبر 2026، أي قبل ثلاثة أيام فقط من موعد الإنتخابات، فذلك يمنح الرأي العام حق التساؤل:
– لماذا الآن؟
– ولماذا لم يتحول مطلب ظل يتردد لسنوات إلى قرار إلا عندما أصبح صندوق الإقتراع على مرمى أيام؟
المفارقة أن بعض الأصوات الحزبية تعاملت مع القرار وكأنه فتح سياسي غير مسبوق، أو إنجاز تاريخي يوازي ٱسترجاع أرض محتلة، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق بتعديل في التوقيت الإداري، لا بإصلاح ٱقتصادي، ولا بتحسين القدرة الشرائية، ولا بخفض البطالة، ولا بإصلاح التعليم أو الصحة.
لقد تحول عقرب الساعة، فجأة، إلى بطل ٱنتخابي.
وكأن المواطن المغربي كان ينتظر فقط أن تعود الساعة إلى مكانها الطبيعي، لينسى سنوات عجاف من الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وٱرتفاع المديونية، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية…
إن السخرية لا تكمن في القرار نفسه، فقد يكون له ما يبرره من زاوية ٱجتماعية أو تنظيمية، وإنما تكمن في محاولة تضخيمه سياسيا وتسويقه وكأنه آخر ورقة يمكن رفعها قبل صافرة نهاية الولاية الحكومية.
المواطن اليوم أكثر وعيا مما يعتقد بعض السياسيين.
فهو يميز بين القرار الهيكلي الذي يغير حياته، وبين القرار الرمزي الذي قد يحقق ٱرتياحا ظرفيا، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الكبرى التي تؤرقه كل يوم.
فالناخب لا يقيس أداء الحكومات بعدد الدقائق التي كسبها أو خسرها على ساعته، وإنما يقيسها بما كسبه أو خسره في جيبه، وفي جودة الخدمات العمومية، وفي فرص العمل، وفي شعوره بالكرامة والإنصاف.
وإذا كان إلغاء الساعة الإضافية قد جاء ٱستجابة لمطلب شعبي، فإن الإستجابة تظل محل ترحيب من حيث المبدأ، لكن قيمتها السياسية تبقى مرتبطة بالسياق الذي جاءت فيه، لأن التوقيت الإنتخابي يجعل من المشروع أن يتساءل المواطن:
– هل نحن أمام قرار تدبيري طبيعي، أم أمام رسالة ٱنتخابية متأخرة؟
السياسة ليست سباقا نحو إطلاق القرارات في الأمتار الأخيرة، بل هي حصيلة خمس سنوات من الإنجاز المتواصل.
أما عندما يختزل الرصيد الحكومي في قرار يعلن قبل الانتخابات بالضبط، فإن ذلك قد يعكس في نظر كثيرين، محدودية ما يمكن تقديمه في نهاية المشوار.
فالساعة يمكن أن تتقدم أو تتأخر بستين دقيقة، لكن عقارب الوعي الشعبي لا تعود إلى الوراء.
ولهذا، قد يصفق البعض لإلغاء الساعة الإضافية، لكن التصفيق لا يعني بالضرورة التصويت، والناخب الذي عاش خمس سنوات كاملة لن يجعل ذاكرته تتوقف عند آخر ثلاثة أيام.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة السياسية بسيطة:
«الحكومات تقاس بما أنجزته طوال ولايتها، لا بما تعلنه في دقائقها الأخيرة».
فالتاريخ لا يحفظ من غير توقيت الساعة، بقدر ما يحفظ من غير حياة الناس.