حقوقيون يضعون الترحال الحزبي تحت المجهر: من حزب إلى آخر.. حرية في القناعة أم حسابات للمقعد؟

أعاد المنتدى المغربي لحقوق الإنسان فتح نقاش حساس حول ظاهرة انتقال بعض المنتخبين من حزب إلى آخر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص قضوا سنوات طويلة داخل تنظيم حزبي، واشتغلوا مع مناضليه وقياداته، وتعاونوا معهم في محطات سياسية وانتخابية مختلفة، قبل أن يقرروا الانتقال إلى حزب آخر.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بتغيير الانتماء الحزبي، وإنما بصورة السياسة نفسها في أعين المواطنين، وبمدى ارتباط العمل السياسي بالقناعة والمشروع والالتزام، بدل أن يتحول إلى مجرد وسيلة للعبور نحو الانتخابات والمقاعد.
فالسياسي الحقيقي هو سياسي حر، يملك قناعة وموقفاً واضحاً، ويمكنه أن يختلف مع حزبه أو يغير قناعته، لكن عليه في المقابل أن يكون واضحاً مع المواطنين ومع من اشتغل معهم لسنوات، وأن يشرح للرأي العام أسباب هذا التحول.
أما أن يصبح الحزب مجرد وسيلة للوصول إلى الانتخابات، ثم يتم تغيير الحزب عندما تتغير الحسابات، فهنا يحق للمواطن أن يطرح السؤال: هل نحن أمام ممارسة سياسية حقيقية، أم أمام أشخاص ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها الهدف الوحيد؟
فالانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، والمقعد الانتخابي ليس ملكاً شخصياً للمنتخب. الناخب يمنح صوته بناءً على الثقة، والحزب يقدم مرشحه بناءً على مشروع واختيارات سياسية، والمناضلون يشتغلون معه ويقدمون له الدعم، ثم يأتي يوم يصبح فيه كل ذلك قابلاً للمغادرة بمجرد ظهور فرصة سياسية أخرى.
وهنا تحديداً تكمن حساسية الموضوع.
إذا قضى شخص عشر سنوات داخل حزب، وتعاون مع أعضائه، وحضر اجتماعاته، وشارك في أنشطته، ودافع عن اختياراته أمام المواطنين، فمن الطبيعي أن يتساءل الناس: ماذا تغير بعد عشر سنوات؟ هل تغيرت القناعة فعلاً، أم تغيرت الحسابات؟
ويصبح السؤال أكثر إلحاحاً عندما يأتي الانتقال في فترة تسبق الانتخابات.
فالمواطن لم يعد يريد فقط أن يعرف: من انتقل من حزب إلى حزب؟ بل يريد أن يعرف أيضاً: لماذا انتقل؟ وماذا تغير في مواقفه؟ وهل كانت هناك أسباب سياسية وفكرية واضحة، أم أن الأمر مرتبط بالترشح والمقاعد والحسابات الانتخابية؟
فالسياسي الحر لا يخاف من شرح موقفه، ولا يخشى أن يقول للناس لماذا اختلف، ولماذا غادر، ولماذا اختار حزباً آخر. أما الصمت وترك المواطن أمام التأويلات، فقد يزيد من الشكوك ويعمق أزمة الثقة.
ومن جهة أخرى، فإن الأحزاب السياسية مطالبة هي أيضاً بتحمل مسؤوليتها. فإذا كان الحزب يستقبل كل منتخب قادم من حزب آخر باعتباره “مكسباً انتخابياً” فقط لأنه يمتلك رصيداً انتخابياً أو قدرة على جلب الأصوات، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل الأولوية للمشروع السياسي والقناعة، أم للعدد والمقاعد والأصوات؟
السياسة ليست سوقاً للمقاعد، والحزب ليس محطة عبور انتخابية.
فالعمل السياسي الحقيقي يقوم على الأفكار والبرامج والقناعات وخدمة المواطنين، بينما يبقى المقعد نتيجة للعمل السياسي وليس سبباً له.
ومن هنا، فإن المنتدى المغربي لحقوق الإنسان يضع ظاهرة الترحال الحزبي أمام مرآة الرأي العام: هل نريد سياسيين أحراراً في قناعاتهم، ملتزمين بمواقفهم ومبادئهم، أم منتخبين يتعاملون مع الأحزاب وفق حسابات الانتخابات؟
إن الفرق كبير بين سياسي يغير انتماءه لأنه اقتنع بمشروع سياسي آخر، وبين شخص يغير انتماءه لأن حسابات الانتخابات تغيرت.
الأول يمارس حقه السياسي ويشرح موقفه للرأي العام، أما الثاني فيترك وراءه سؤالاً كبيراً حول المصداقية والثقة.
وبعد عشر سنوات من العمل داخل حزب، لا يمكن أن تكون المسألة مجرد تغيير لون أو بطاقة حزبية. هناك علاقات وثقة وتعاون وتاريخ سياسي كامل، وكل ذلك يستحق تفسيراً واضحاً أمام المواطنين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التأكيد على أن تغيير الانتماء الحزبي، في حد ذاته، لا يعني ارتكاب مخالفة أو جريمة، ما لم يقترن بفعل يخرق القانون ويستوجب المساءلة وفق المقتضيات القانونية الجاري بها العمل. لذلك، فإن النقاش المطروح هنا هو بالأساس نقاش سياسي وحقوقي وأخلاقي يتعلق بالمصداقية والثقة والقناعة، وليس حكماً قضائياً على أي شخص.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر حساسية:
هل أصبح بعض المنتخبين يبحثون عن الحزب الذي يقودهم إلى الانتخابات، بدل أن يبحثوا عن المشروع السياسي الذي يؤمنون به؟
وإذا كان السياسي الحقيقي هو شخص حر في قراراته وقناعاته، فإن المواطن من حقه أيضاً أن يعرف: هل أمامه سياسي ملتزم وحر، أم مجرد مرشح يبحث عن المقعد؟
لأن الانتخابات تمر، والمقاعد تتغير، لكن الثقة إذا ضاعت بين المواطن والسياسي، فمن الصعب استرجاعها بمجرد تغيير لون حزبي.

Comments (0)
Add Comment