مقال راي لسمير بوزيد –
تشهد الساحة الإعلامية المغربية حاليًا نقاشًا مكثفًا حول مشروع قانون الصحافة الجديد وتحديث المجلس الوطني للصحافة، وسط جدل واسع في الصحافة الوطنية. فقد أعلنت النقابة الوطنية للصحافة أن بطائق الصحافة لسنة 2025 تفتقر إلى الشرعية القانونية بسبب ما أسمته خروقات في توزيعها وغياب الشفافية، مما أثار موجة من الانتقادات والاحتجاجات (النقابة الوطنية للصحافة، 1 يونيو 2025).
كما عبر حزب التقدم والاشتراكية عن تحفظه الشديد على ما وصفها بالطريقة الإقصائية في تمرير هذه القوانين دون حوار شامل مع الفاعلين الأساسيين في القطاع، معتبرًا ذلك تهديدًا لاستقلالية الصحافة ومبادئ الديمقراطية التشاركية (التقدم والاشتراكية، 2 يوليو 2025).
في المقابل، أكدت وزارة الثقافة والشباب والرياضة أن مشروع القانون يهدف إلى تعزيز حرية الصحافة وضمان استقلالية المجلس الوطني للصحافة، مع توفير إطار قانوني متطور يتماشى مع المعايير الدولية (بيان الوزارة، 15 يونيو 2025).
في ظل هذه الأجواء المتوترة، يبرز دور الإعلام الحر كرافعة أساسية للديمقراطية وكمحرك رئيسي في حماية المال العام ومكافحة الفساد.
ومن هنا، يأتي هذا المقال ليقدم قراءة شاملة ومتكاملة حول مشروع القانون، التحديات التي تواجه حرية الصحافة، ودور الإعلام الوطني في تعزيز الشفافية والمساءلة.
سبق لي أن صرحت وأكدت وأفدت في صحيفة بيان مراكش تحت مقال بعنوان “تكريم المناضل الحقوقي سمير بوزيد كرجل سنة 2024 لحماية المال العام” بتاريخ 29 ديسمبر 2024، على ضرورة تعزيز دور الإعلام الحر في محاربة الفساد وحماية المال العام، باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز الشفافية والمساءلة.
ومن هذا المنطلق، تناولت في استجواب صحفي استقصائي معمق نشر في نفس الصحيفة بتاريخ 11 فبراير 2025، أهمية تحديث الإطار القانوني للصحافة عبر مشروع القانون رقم 71.17، مع التأكيد على ضرورة إشراك جميع الفاعلين الإعلاميين في حوار تشاركي جاد يضمن استقلالية المجلس الوطني للصحافة ويعزز حرية التعبير.
وفي ذات السياق، أكدت في تصريحات أخرى بتاريخ 27 يناير 2025، على ضرورة حماية الصحفيين المستقلين من المتابعات القضائية، مشدداً على أن بعض التدخلات التي يُنظر إليها كتدخلات سياسية في القضاء قد تضعف مبدأ الفصل بين السلطات وتضر بالمسار الديمقراطي.
هذه التصريحات تعكس موقفًا يدعو إلى مراجعة التشريعات الإعلامية بما يضمن حماية الحقوق الدستورية، ويدعم الإعلام الرقابي في كشف التجاوزات المالية والإدارية، وبالتالي حماية المال العام وتعزيز الديمقراطية.
تُعد حرية الصحافة وحرية التعبير من المكتسبات الدستورية الأساسية في المغرب، حيث يكفل دستور 2011 هذه الحقوق في فصوله المختلفة، مثل الفصل 25 الذي يضمن حرية الفكر والتعبير، والفصل 28 الذي يحمي حرية الصحافة من الرقابة القبلية، إضافة إلى الفصل 27 الذي يكفل حق الوصول إلى المعلومات، وهو أمر حيوي لتعزيز الشفافية والمساءلة.
وتجدر الإشارة إلى أن القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر ينظم هذا المجال، مع وجود مقترحات لتعديله بهدف تحديثه ومواكبة التطورات الرقمية.
وفي هذا الإطار، يناقش المغرب مشروع القانون رقم 71.17 لتغيير وتتميم قانون الصحافة والنشر، الذي يهدف إلى تحديث الإطار القانوني للصحافة ومواكبة التحولات الرقمية، مع تعزيز استقلالية المجلس الوطني للصحافة. ورغم المكاسب التي يحملها المشروع، إلا أن النقاشات التي أثارها تكشف عن تحديات قانونية وممارسات تستوجب مراجعة دقيقة. فقد أوضحت في مقالاتي المنشورة في بيان مراكش أن التشريع المغربي قد يُنظر إليه على أنه يفرض قيودًا على حرية التعبير، حيث تُستخدم بعض المواد القانونية لملاحقة الصحفيين، مما قد يحد من حرية الرأي. ورغم إلغاء العقوبات السالبة للحرية واستبدالها بغرامات مالية، يبقى هناك مجال لتفسير النصوص القانونية بما قد يقيد حرية التعبير.
علاوة على ذلك، يشكل غياب الحوار التشاركي الفعال مع الفاعلين الإعلاميين أثناء إعداد التشريعات عائقًا كبيرًا، إذ يُنظر إليه على أنه يُضعف من شرعية القوانين ويحد من فرص التوافق، خاصة فيما يتعلق بآليات انتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة التي قد تؤدي، في نظر البعض، إلى هيمنة الناشرين على المجلس وتقليص صوت الصحفيين.
كما تواجه الصحافة الإلكترونية تحديات جديدة، حيث تفرض بعض الشروط القانونية قيودًا قد تعيق التعددية الإعلامية الرقمية، مثل إلزام المؤسسات بتعيين مدير نشر يحمل صفة صحفي مهني، مما قد يعرقل عمل المواقع الناشئة.
وفيما يتعلق بحرية الصحافة، لا يمكن إغفال القلق المتزايد من المتابعة القضائية التي يتعرض لها الصحفي المستقل حميد المهداوي، والتي تُعتبر، من وجهة نظر البعض، تهديدًا لاستقلال القضاء وحرية التعبير. هذه الحالة تعكس واقعًا قد يواجه فيه الصحفيون المستقلون مخاطر قانونية وسياسية، مما يستدعي تعزيز الحماية القانونية لهم وضمان محاكمات عادلة.
أما فيما يخص دور الصحافة في حماية المال العام، فقد أكدت مرارًا أن الإعلام الحر هو أداة أساسية في مكافحة الفساد، من خلال كشف التجاوزات وتعزيز الشفافية، مما يعزز الثقة بين المجتمع المدني والمؤسسات. لذلك، يجب تقوية آليات الرقابة ودعم الإعلام الاستقصائي، مع توفير الحماية القانونية للصحفيين الذين يواجهون ضغوطًا بسبب مهنتهم.
فالصحافة ليست مجرد ناقل للأخبار، بل شريك فاعل في بناء دولة القانون، حيث تساهم في كشف الاختلالات المالية والإدارية، وتحفيز مساءلة المسؤولين، وهو ما يمثل رافعة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
استنادًا إلى ما سبق، أقدم عدة توصيات لتعزيز القانون والديمقراطية وحرية الصحافة في المغرب:
– تفعيل مبدأ الحوار التشاركي مع النقابات المهنية والمنظمات الحقوقية قبل إقرار أي تعديل قانوني، انسجامًا مع الفصل 13 من الدستور.
– مراجعة آليات انتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة لضمان تمثيل متوازن يعكس تنوع الفاعلين في القطاع، مع تعزيز تمثيل النساء والشباب.
– تعزيز ضمانات العدالة في معالجة الشكايات، بما يتوافق مع المعايير الدولية وحقوق الدفاع.
– دعم الصحافة الإلكترونية عبر تبني شروط مرنة تشجع التعددية والابتكار الإعلامي.
– تعزيز استقلالية المجلس الوطني للصحافة لضمان حرية اتخاذ القرار بعيدًا عن تأثيرات الناشرين أو أي جهة أخرى.
– دعم دور الإعلام في حماية المال العام وتعزيز الشفافية، من خلال توفير بيئة قانونية وتشريعية تحمي الصحفيين وتدعم عملهم الرقابي.
في الختام، يشكل مشروع قانون الصحافة فرصة مهمة لتحديث القطاع الإعلامي المغربي، لكنه يحتاج إلى مراجعات تضمن احترام الحقوق الدستورية، وتعزيز الديمقراطية التشاركية، وحماية حرية التعبير.
إن نجاح هذا القانون لا يعتمد فقط على النصوص القانونية، بل على التزام الحكومة والبرلمان بالشفافية، وفتح حوار حقيقي وشامل مع جميع الفاعلين في القطاع، بالإضافة إلى تمكين المجتمع المدني من المساهمة الفعالة في صياغة السياسات الإعلامية. وفي هذا الإطار، يظل الإعلام الحر حجر الزاوية في بناء دولة القانون وحماية المال العام، وهو الضمانة الحقيقية لمجتمع ديمقراطي متطور ومستقر.