بين أزمة الثقة والعدالة الاجتماعية… وفرصة لعقد اجتماعي جدي
بقلم الدكتور محمد محاسن
ملخص
عرف المغرب يومي 27 و28 شتنبر 2025 موجة احتجاجات غير مسبوقة عُرفت إعلامياً باسم “جيل. Z212” قاد هذه الحركة شباب غير مؤطر حزبياً أو نقابياً، اعتمد أساساً على الفضاء الرقمي للتعبئة والتنظيم. هذه الاحتجاجات إنما تكشف عن أزمات بنيوية عميقة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية، وتعكس في الوقت نفسه شرعية المطالب مقابل هشاشة التأطير. أحاول في هذه الورقة تقديم قراءة تحليلية من ثلاثة أبعاد: أولها سوسيولوجي يبرز الهوية الجيلية الجديدة؛ وثانيها سياسي يكشف أزمة الوساطة وتأثير الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؛ وثالثها اقتصادي يوضح تناقضات الاستثمار العمومي ومشاعر الحنق الجماعي. تنتهي الورقة إلى قراءة استشرافية تعتبر هذا الحراك فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة وصياغة عقد اجتماعي جديد.
الكلمات المفاتيح: جيل Z212، المغرب، الاحتجاجات، الشباب، العدالة الاجتماعية، الثقة السياسية، الفضاء الرقمي.
توطئة
يعلم كل متتبع للأحداث أن الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب ليست وليدة اللحظة، فقد شهد البلد موجات متكررة منذ بداية الألفية، من حركة 20 فبراير (2011) إلى احتجاجات الحسيمة وجرادة فاحتجاجات الشغيلة التعليمية السنة الفارطة وهلم جرّاً. غير أن أحداث 27 و28 شتنبر 2025 تميزت بظهور ما أسمى نفسه ب “جيل Z212″، وهو تعبير عن دينامية جيلية جديدة تتجاوز الأطر التقليدية وتعتمد على الرقمنة كأداة أساسية في التعبئة.
هذا الحراك يجمع بين مشروعية المطالب الاجتماعية وهشاشة التنظيم، مما يجعله مهدداً بالانزلاق نحو الفوضى أو الاستغلال السياسي، لكنه في الآن ذاته يحمل فرصاً ثمينة لإعادة التفكير في علاقة الدولة بالمجتمع.
أولاً: مشروعية المطالب وسوسيولوجيا الغضب
1) البطالة والهشاشة البنيوية
أكد تقرير والي بنك المغرب (2025) هشاشة سوق الشغل وضعف قدرته على إدماج الشباب، خاصة خريجي الجامعات، مما يخلق فجوة بين التكوين وفرص العمل ويؤجج الإحباط الجماعي.
2) أزمة ثقة وشرعية
لم تعد الثقة قائمة بين المواطنين والنخب السياسية. فالحكومة والمعارضة على السواء يُنظر إليهما باعتبارهما وجهين لعملة واحدة؛ كلاهما عاجز عن تجديد العرض السياسي. كما أن الطابع “التجاري” للحكومة الحالية – التي هي في الواقع أبعد ما تكون عن حكومة كفاءات كما شيء أن يروج لها-، المكوّنة في جزء كبير منها من رجال أعمال، يعمّق الانطباع بوجود فجوة بين الحاكمين والمحكومين.
3) لاعدالة اجتماعية صارخة
من أبرز ما يؤجج الغضب الشعبي ما يراه المواطن من إثراء فاحش لبعض أعضاء الحكومة ومقربيهم، مقابل التدهور المستمر للقدرة الشرائية والخدمات العمومية. وتزداد الهوة وضوحاً من خلال المفاضلة غير العادلة في الإنفاق العمومي: ملاعب كرة قدم عصرية بملايين الدراهم في مقابل مستشفيات ومدارس تعاني من الإهمال والتدهور. هذه المفارقات وغيرها كثير أصبحت، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، رموزاً قوية لـ”سياسة الكيل بمكيالين.
4) هوية جيلية جديدة
يمتاز جيل Z212 بخصائص فريدة:
ü الفردانية الرقمية: التعبئة أفقية عبر الشبكات الاجتماعية.
ü التعبير الرمزي: الاعتماد على الصور والرمزية أكثر من البرامج السياسية المفصلة.
ü رفض الوساطة التقليدية: عداء معلن للأحزاب والنقابات.
وبقدر ما يمنحه هذا قوة في التعبير الحر، فإنه يجعله أيضاً هشاً وعرضة للتشتت أو الاستغلال.
ثانياً: البعد السياسي وأزمة الوساطة
1) انهيار قنوات الوساطة
أثبتت هذه الاحتجاجات فشل الأحزاب والنقابات في لعب دورها التاريخي كوسيط بين الدولة والمجتمع. فقد ضعفت شرعيتها ولم تعد قادرة على احتواء الغضب أو تأطيره.
2) الاستحقاقات الانتخابية المقبلة
فقد جاءت هذه الاحتجاجات في ظرفية حساسة تسبق الانتخابات الوطنية، وهو ما يثير عدة تحديات:
✓ التوظيف السياسي من طرف المعارضة لكسب نقاط انتخابية.
✓ محاولات حكومية للترضية عبر وعود ظرفية ومتأخرة.
✓ خطر فقدان المصداقية الديمقراطية إذا بقيت الهوة واسعة بين الشعارات الانتخابية والحاجات الاجتماعية الحقيقية.
✓ تصاعد العزوف الانتخابي أو اندلاع موجات احتجاجية أشد إذا غابت الاستجابة الملموسة.
3) الحاجة إلى وسائط جديدة
فالرهان لم يعد اليوم منحصراً فقط على إصلاح الأحزاب التقليدية، بل على ابتكار قنوات وساطة جديدة: منصات مدنية رقمية، أو مجالس شبابية استشارية، قادرة على إعادة ربط الثقة بين الدولة والمجتمع.
ثالثاً: البعد الاقتصادي وتناقضات التنمية
1) أولويات مختلة
تكشف السياسة المالية للدولة عن تركيز على المشاريع ذات البعد الرمزي (الملاعب، الأحداث الرياضية) مقابل إضعاف الاستثمارات في القطاعات الحيوية (الصحة، التعليم).
2) الاقتصاد السياسي للاحتجاج
هذه الخيارات ليست بريئة، بل مرتبطة بـ تحالفات لوبيات اقتصادية (الرياضة، البناء) توجه الأولويات العمومية وفق مصالحها. وهكذا يصبح الاحتجاج تعبيراً عن رفض رأسمالية سياسية تستفيد منها أقلية محدودة.
3) التضخيم الرقمي للمفارقات
حيث إن الفضاء الرقمي أضحى يعمل كمسرح مضخم لهذه التناقضات: صورة ملعب مجهز بأحدث التقنيات تُقابل مباشرة بصورة مستشفى متداعٍ أو مدرسة متآكلة. هذا التضاد البصري يغذي الشعور بالغبن ويدفع إلى التعبئة.
رابعاً: مخاطر الانزلاق والهشاشة البنيوية
رغم مشروعية المطالب، فإن غياب التأطير يفتح الباب أمام:
✓ التسييس الداخلي المفرط: محاولات الاستغلال الحزبي.
✓ التدخل الخارجي : كما حدث باختراق منصات رقمية من طرف هاكرز جزائريين لبث خطابات تحريضية أو إيقاف أشخاص من جنسيات مختلفة تندس بين المتظاهرين وتَشجع على سلوكات تخريبية للممتلكات عامها وخاصها وتهديد سلامة وأمن المواطنين وسمعة الوطن خارجيا.
✓ العنف الميداني: وهو ما تجلى في مدن عدة كوجدة وطنجة يومي 27 و28 شتنبر 2025 وأكادير يوم أمس و مراكش اليوم … ، حين تحولت الوقفات السلمية إلى مواجهات مع القوات العمومية.
✓ الأخبار الزائفة : التي تؤجج فقدان الثقة وتوسع الشرخ بين الدولة والمجتمع.
خامساً: نحو استجابة متوازنة
لمواجهة هذه التحديات، لا يكفي الاعتماد على المقاربة الأمنية فقط، بل يتطلب الأمر:
1) إصلاحات اجتماعية عاجلة في التشغيل والتعليم والصحة.
2) مراجعة التشكيلة الحكومية والسياسات العمومية في القطاعات المعنية.
3) فتح قنوات تواصل ذكية، حتى وإن كانت غير مباشرة، مع أبناء هذا الجيل.
4) تأطير الفضاء الرقمي عبر آليات قانونية تضمن حرية التعبير وتحد في الوقت نفسه من خطاب الكراهية والتضليل.
5) تعزيز التربية على المواطنة وإدماج قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المناهج التعليمية.
عود على بدء: من الأزمة إلى الأفق الاستشرافي
إن جيل Z212 ليس مجرد موجة احتجاجية عابرة، بل هو انعكاس لأزمات هيكلية: بطالة، لاعدالة، فقدان الثقة. لكنه أيضاً فرصة تاريخية لإعادة التفكير في علاقة الدولة بالمجتمع وإطلاق إصلاحات جذرية.
هذا الحراك يمكن أن يكون بمثابة مختبر اجتماعي وسياسي لاستخلاص الدروس وتصحيح الاختيارات، ونقطة انطلاق لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية من تنمية موجهة للصورة إلى تنمية موجهة للإنسان.
إذا ما تمت اقترانه برؤية شجاعة وقرارات مسؤولة، فقد يتحول إلى تجربة تأسيسية نحو عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة المجالية والاجتماعية، ويؤسس لمستقبل آمن، منصف، ويستجيب لتطلعات المواطنين في العيش الكريم.