*ثنائية الواقع والعبث* في مسرحية “ريحة الليل” لفرقة محترف ديونزوس لفنون الأداء.

.
كتابة وإخراج: مهدي حلباس.
الممثلون: نجيب عبد اللطيف، مهدي حلباس، لحجاب أبو جمال، الصوت الخارجي فاطمة أكلاز.

بقلم : لحجاب أبو جمال

* قراءة نقدية سيميائية *

يؤكد العديد من النقاد المعاصرين والمتخصصين على أن المسرح عملية تواصل أولا وقبل كل شيء، فهو ممارسة سيميولوجية، لكنه أيضا حدث ثقافي واجتماعي كما يعتبره الباحث السوسيولوجي “جورج مونان/George Monin”.
وانطلاقا من كون العرض المسرحي مكوَّنا من نظام من الأدلة(العلامات) -وهو نظام يتكون من مجموعتين: النص والعرض- فإن هذه الأدلة أو العلامات تدخل في فعل التواصل الذي يحققه الخطاب المسرحي مع المتلقي/الجمهور. ويعتبر فعل التواصل المسرحي- على حد تعبير الباحثة الفرنسية “آن أوبرسفيلد”- تواصلا معقدا نظرا لما يحتويه من تعدد في الأدلة والشفرات والرسائل والأصوات… لكنه وبالرغم من ذلك يفهم شيئا فشيئا من خلال مكونات العرض السمعية والبصرية.
فإلى أي حد استطاع العرض المسرحي”ريحة الليل” لفرقة محترف ديونزوس لفنون الأداء أن يقدم فرجة مسرحية وأن يحقق فعلا تواصليا مع المتلقي/ الجمهور في صالة العرض؟
يتناول العرض فكرة الصراع بمفهوم مركب: فهو من جهة صراع مادي ينطلق من وضعيات اجتماعية قاهرة ومعاناة مريرة لشخوص العرض ( الشيخ ذو التجربة في حرب لاندوشين، و عباس العامل النقابي رفيق الشهيد، والشاب السكير ولد محجوبة الزوفري ثم المرأة الضحية)، ومن جهة ثانية هو صراع بمفهوم فلسفي وبأسئلة عبثية؟!

استطاع العرض أن يقدم هذه الوصفة المركبة لمفهوم الصراع بين المادي والفلسفي بقدر وافر من الجهد وذلك من خلال طرفين رئيسيين للصراع: الطرف الأول يمثله شخوص ماديين وهم (الشيخ المحارب، عباس العامل النقابي، الشاب السكير والمرأة الضحية)، والطرف الثاني للصراع هو شخصية الأعور وهي شخصة مفترضة يتداولها الشخوص في الخطاب المسرحي بقوة لكنها لا تحضر حضورا ماديا على الركح!؟..إن شخوص العرض المسرحي”ريحة الليل” يختلفون في كل شيئ : يختلفون حول المكان( فين احنا؟!.. واش هاد لبلاصة؟!)، ويختلفون حول الهوية ( منين احنا فلخوت؟!) ويختلفون أيضا حول مايشمونه من رائحة( هادي ريحة الشراب…لا ريحة لبحر..لا هادي راه ريحة الحرب والبارود؟!) لكنهم لايختلفون البتة في الموقف من “الأعور” ونعتهم له بأبشع الصفات باعتباره سبب بؤسهم وسبب كدحهم وقهرهم :
-إن شخصية “الشيخ” شخصية أنهكتها تجربة حرب “لاندوشين” المريرة..تعاني التهميش والإقصاء..تعاني قسوة المرض الذي أنهك جسده..ويتبين ذلك جليا من خلال سعاله المتكرر وصوته المبحوح وخطوه البطيء المصحوب بعكاز يتكئ عليه ، لكنه لا يهاب “الأعور” رغم ما سبَّبه له من ويلات جعلته يعيش هلوسات وكوابيس في النوم واليقضة.. وقد أبدع الممثل المسرحي الأستاذ نجيب عبد اللطيف في أداء دور هذه الشخصية بامتياز واضح.
-شخصة عباس، شخصية مشبعة بفكر نقابي ونضالي للدفاع عن حقوق رفاقه العمال في قطاع الصيد البحري..يعيش بين مطرقة ذكرىاستشهاد رفيقه النقابي وسندان الوفاء لوصاياه في الكفاح و مواصلة الصمود والتشبت بمبادئ النضال لتحقيق مطالب العمال..وبالرغم من أن عباس لازال وفيا لعهد النضال إلا أنه يصطدم بإشكالات تتمثل في اختلال موازين القوى في صفوف العمال بسبب تسلط “الأعور” ومكر الخونة الذين قاموا بتصفية رفيقه الشهيد.لقد برع كاتب النص ومخرج العرض والممثل الأستاذ مهدي حلباس في أداء هذا الدور بما يتطلبه من مهارة حركية وصوتية وبما يتطلبه كذلك من إحساس وقوة في التعبير عن الوفاء للقيم الإنسانية النبيلة.
يتبع.
بقلم : لحجاب أبو جمال.

Comments (0)
Add Comment