محمد سيدي: بيان مراكش
قطع المغرب خلال العقود الأخيرة أشواطا معتبرة في ترسيخ دعائم دولة المؤسسات ، وراكم إصلاحات جوهرية في مجالات الحكامة،وتحديث الإدارة، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، وقد شكلت التوجيهات الملكية السامية رافعة أساسية لتكريس منطق الشفافية، وتحصين المرفق العمومي من كل أشكال التسيب أو العبث، كما ساهمت النصوص التشريعية والتنظيمية في إرساء مساطر واضحة للولوج إلى الوظيفة العمومية، وضبط العلاقة بين المواطن والإدارة، بما يكرس مبدأ المساواة ويعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم .
ورغم ما تحقق من مكتسبات، فإن بعض الممارسات المعزولة التي تطفو من حين لآخر على سطح النقاش العمومي، تظهر أن طريق الإصلاح ما يزال يتطلب كثيرا من اليقظة والصرامة، وأن هناك من يتسلل عبر ثغرات التأويل أو التساهل أو الغموض الإداري ، ومن بين هذه النماذج، تبرز حالة هذا الموظف الجماعي بقرية تمصلوحت، وتعيد طرح أسئلة ملحة حول وضوح الوضعيات الوظيفية، وحدود إحترام القانون، ومآلات التصريحات بالشرف التي ينبغي أن تكون أداة للحماية، لا مدخلا للتحايل.
و يفترض أن يكون مغرب 2025 قد تجاوز، نظريا، العديد من أعطاب التدبير الإداري التي راكمها عبر عقود من التراكم . فقد تعاقبت الإصلاحات، وتعددت التوجيهات الملكية السامية لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره و الداعية إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن المنظومة القانونية المؤطرة للوظيفة العمومية لم تعد تفتقر إلى النصوص، بل أصبحت غنية بمبادئ الشفافية والإستحقاق والمساواة في الولوج إلى المناصب العامة.
ومع ذلك، لا تزال بعض الوقائع التي تبرز من حين لآخر على سطح النقاش العمومي تكشف عن إزدواجية مقلقة في نسق التسيير، وتؤكد أننا أمام أشخاص يسيرون بسرعتين متباينتين واحدة تحت رقابة القانون والمحاسبة، وأخرى تشتغل على الهامش، مستفيدة من الغموض والتأويل والتساهل في التنزيل .
ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك، هذا الموظف بقرية تمصلوحت، والعامل بعقد وكالة بأجر للأوقاف ، حيث يباشر مهام مالية دقيقة وحساسة، بناء على عقد يصنفه كـ”وكيل تحصيل بأجر”، وهي وضعية تفتح الباب لعدة تساؤلات حول مدى قانونية ما يجري ، فالوثائق التي توصلت بها جريدة بيان مراكش تفيد بأن هذا الشخص لا يقتصر دوره على التتبع التقني أو الدعم الإداري ، بل يتعدى ذلك إلى تحصيل المداخيل، وإستيفاء الأموال، والمشاركة في إعداد التقارير ، وضبط الأملاك ، بل والتوقيع على وصولات الأداء والتواصل مع المدينين ، وهو ما يجعله في موقع سلطة حقيقية على المال العام، دون أن يكون خاضعا فعليا للضوابط القانونية التي تحكم هذا النوع من المهام .
والأكثر إثارة للقلق في هذه الحالة أن المعني بالأمر، هو موظف جماعي يشتغل داخل جماعة ترابية، مما يضعه في حالة تناف واضحة كما أرشنا في مقالات سابقة ، إذ لا يمكن الجمع بين وظيفة عمومية داخل الجماعة ومهام مالية داخل جهاز ترابي تابع لوزارة الأوقاف دون سند قانوني صريح ، سواء تعلق الأمر بالإعارة أو الإنتداب أو أي صيغة أخرى معترف بها إداريا.
ومع ذلك، فإن العقد الذي يربطه بنظارة الأوقاف يشترط عليه التوقيع على تصريح بالشرف يقر فيه أنه لا يشتغل كموظف عمومي ولا كأجير، وهو ما يطرح أكثر من سؤوال هل قدم هذا الشخص وهو موظف جماعي، تصريح كاذب لنظارة أوقاف الحوز حين إلتزم، بموجب عقد وكالة، بأنه ليس موظفا عمومي ؟؟ و هل تم التأكد من الوضعية الإدارية الفعلية للمعني بالأمر قبل توقيع عقد الوكالة ؟ و هل ينسجم مضمون التصريح بالشرف مع المسار المهني الحقيقي للشخص المتعاقد ؟ و هل تتوفر نظارة الأوقاف على آلية نظامية للتثبت من صحة التصريحات قبل إعتمادها ؟ و هل يعتبر الإكتفاء بتصريح الشرف كافيا قانونيا في المهام ذات الطبيعة المالية ؟ و هل توجد مراسلات أو إستشارات إدارية سبقت هذا التعاقد لتفادي أي حالة تناف ؟
و هل تم إخبار عامل عمالة تحناوت الحوز الدكتور رشيد بن شيخي بهذا العقد عندما إستفسر عن وضعية هذا الموظف ؟! و ما الحدود القانونية الفاصلة بين “الوكالة بالأجر” وبين الوظيفة العمومية بمفهومها الضيق ؟! و كيف يتم التوفيق بين الإلتزامات الوظيفية داخل الجماعة، والمهام الموكولة داخل الأوقاف لهذا الشخص ؟! وهل هذا الشخص يعتبر حالة خاصة أم يستدعي مراجعة ؟! … وزيد وزيد
وفي جميع الحالات نحن أمام خلل عميق يضرب في الصميم مبادئ الشفافية والنزاهة، ويقوض الجهود التي تقوم بها مؤسسات المملكة المغربية الشريفة ، إذ كيف يعقل أن يتولى شخص، بوضعية قانونية ملتبسة، مسؤولية التوقيع على وثائق مالية، ومباشرة تحصيل الأموال، وهو لا يخضع لا لنظام تأديبي واضح ، ولا لرقابة مفتشيات الوظيفة العمومية ، ولا يظهر حتى في خرائط التوظيف الرسمية ؟ ثم كيف يمكن ضمان حماية المال العام !!! فأي إلتزام تعاقدي يوازي حجم المسؤولية هذه ؟
إن إستمرار مثل هذه الوضعيات في مغرب 2025 يشكل إنتكاسة صامتة في مسار بناء إدارة حديثة ، تقوم على تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة… وهي أيضا رسالة سلبية تبعث إلى الكفاءات الشابة التي تنتظر دورها في التوظيف وتخضع للمباريات والإختبارات، مفادها أن هناك من يلتحق بالمرافق العمومية عبر ممرات جانبية، ويمارس مهاما حساسة دون أن يتكبد عناء المرور عبر الآليات القانونية الشفافة رغم أنها حالة واحدة و معزولة .
ولأن الأمر لا يتعلق بتأويل قانوني عابر، بل بشبهة تناف حقيقية وتصريح شرف مشكوك في صحته، فإن المساطر الرقابية ستتحرك لأننا نثق في مؤسساتنا والتي تحدد المسؤوليات ، وتعرض الملفات على الجهات المختصة، سواء تعلق الأمر بالمفتشيات العامة ، أو المجالس التأديبية … خصوصا إذا تبين وجود نية التدليس أو التحايل.
فالقانون الإداري المغربي لا يحصر المسؤولية في الموظف النظامي فقط، بل يحملها لكل من يمارس مهام داخل مرفق عمومي، خاصة إذا كانت ذات طابع مالي أو رقابي.
وعموما نسجل بكل إعتزاز التفاعل الإيجابي للسلطات عامة في كثير من الحالات وحرصها على التجاوب من أجل حماية القانون ،كما نجدد الثقة في حكمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور أحمد التوفيق، الذي جسد عبر سنوات المسؤولية نموذج في التبصر والتعفف والإنضباط المؤسساتي ، ومن منطلق هذا الرصيد الأخلاقي والمهني، نعول على يقظته الإدارية لفتح تحقيق مسؤول في هذه الحالة ،ويكرس مبدأ الشفافية في تدبير الشأن العمومي، بعيدا عن أي غموض أو تجاوز .