لقاء سمير كودار مع بعض من ساكنة تسلطانت يفتح باب الأسئلة: لماذا الآن؟ وهل تحولت مشاريع تأهيل الدواوير إلى «وعود انتخابية مؤجلة»؟
يبدو أن ملف تسلطانت لم يعد مجرد قضية تنموية مرتبطة بتأهيل الدواوير وفك العزلة عن الساكنة، بل بدأ يتحول شيئاً فشيئاً إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي المحلي بمراكش، خصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية.
فبعد سنوات من الانتظار، وبعد أن ظل عدد من الفاعلين الجمعويين ينتقدون ما يعتبرونه غياباً للتواصل المؤسساتي، عادت أبواب مجلس جهة مراكش آسفي إلى الانفتاح على بعض ممثلي الجمعيات بتسلطانت، من خلال لقاء تواصلي ترأسه رئيس الجهة سمير كودار، وكان عنوانه الأبرز مشروع تأهيل دواوير النزالة وزمران والخدير الجديد.
لقاء قد يبدو، في ظاهره، عادياً ومؤسساتياً.
لكن في السياسة، كما في الصحافة، التوقيت أحياناً أهم من العنوان.
فاللقاء يأتي في ظرفية انتخابية دقيقة، وبعد سنوات ظل فيها مشروع تأهيل الدواوير العشرة بجماعة تسلطانت، ضمن مشروع «مراكش الحاضرة المتجددة»، محط انتقادات وتساؤلات متكررة حول أسباب التأخر في إخراجه إلى حيز التنفيذ.
وكانت مصادر صحفية قد أشارت إلى أن المشروع الملكي، الذي أُعلن عنه سنة 2014، كان يستهدف تأهيل مجموعة من الدواوير، مع برمجة زمنية سابقة لإنجاز الأشغال، قبل أن تستمر حالة التعثر لسنوات.
لماذا خرج المشروع من أدراج الانتظار الآن؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تحتاج النزالة وزمران والخدير إلى التأهيل؟
الجواب واضح: نعم.
: هل تستحق الساكنة طرقاً ومرافق وشبكات وتجهيزات أفضل؟
الجواب أيضاً واضح: بلا شك.
السؤال الحقيقي هو:
لماذا تحرك هذا الملف بهذه القوة في هذه المرحلة بالذات؟
فالمواطن الذي ظل ينتظر سنوات لا يستطيع أن يتجاهل المصادفة السياسية بين عودة المشروع إلى الواجهة واقتراب الانتخابات.
بل إن زيارة سابقة لرئيس الجهة إلى جماعة تسلطانت خلال يوليوز 2026 والتي حاولت جهات معينة التكتم عليها كانت بدورها قد أثارت تساؤلات حول اتفاقية إعادة هيكلة الدواوير الثلاثة وتوقيت التحركات المرتبطة بها.
وهنا تبدأ المنطقة الرمادية بين العمل المؤسساتي المشروع والتوظيف السياسي المحتمل للمشاريع العمومية.
كودار يطمئن.. والساكنة تريد تاريخاً لا تطمينات
خلال اللقاء الأخير، تلقى الحاضرون تطمينات بشأن قرب انطلاق عملية التأهيل.
وهي تطمينات يفترض أن تستقبل بإيجابية، لأن ساكنة هذه الدواوير ملّت الانتظار.
لكنها، في الوقت نفسه، تطمينات تحتاج إلى ترجمة على الأرض.
فالساكنة لا تريد أن تسمع فقط أن الأشغال «ستنطلق قريباً».
إنها تريد أن تعرف:
متى تحديداً؟
من هي الجهة التي ستنجز؟
ما هو البرنامج الزمني؟
ما هي الاعتمادات المرصودة؟
ما هي الأشغال التي ستنجز فعلياً؟
وما هي الضمانات لحماية حقوق السكان وممتلكاتهم في حالة توسعة الطرق أو إعادة الهيكلة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل حق مشروع للمواطن في معرفة مصير مشروع طال انتظاره.
والأخطر.. ماذا يعني «بعد الانتخابات»؟
إذا كانت الانطلاقة الفعلية ستتم بعد الانتخابات، كما فُهم من تصريحات اللقاء، فإن الأمر يصبح أكثر إثارة للجدل.
فهل نحن أمام مشروع تأخر لأسباب تقنية وإدارية، أم أمام مشروع تنموي دخل فجأة إلى غرفة الانتظار حتى موعد انتخابي محدد؟
وهنا بالضبط تكمن خطورة التوقيت.
لأن تقديم وعود بمشاريع عمومية قبل الانتخابات، ثم تأجيل تنفيذها إلى ما بعد الاقتراع، يمكن أن يجعل المواطن يتساءل: هل المطلوب منه أن يصوت أولاً، ثم ينتظر التنفيذ؟
وإذا كان المشروع جاهزاً فعلاً، فلماذا لا يتم تقديم برنامج زمني رسمي وواضح للرأي العام؟
اسم المنصوري يعود إلى الواجهة
الجدل لا يتوقف عند رئيس الجهة.
فملف الدواوير الثلاثة يرتبط أيضاً باسم فاطمة الزهراء المنصوري، التي سبق أن ارتبط اسمها بملف تأهيل الدواوير ضمن «مراكش الحاضرة المتجددة».
ففي سنة 2024، نشرت وسائل إعلام محلية أن المنصوري تابعت ملف تأهيل دواوير النزالة والخدير وزمران، وأن وفداً من وزارة الإسكان انتقل إلى المنطقة لمتابعة الاتفاقيات المتعلقة بهذه الدواوير.
وهكذا يجد المشروع نفسه اليوم في قلب مشهد سياسي تتداخل فيه أسماء وازنة، ومجالس منتخبة، ومؤسسات ترابية، وفعاليات جمعوية، وقاعدة انتخابية ستتوجه قريباً إلى صناديق الاقتراع.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر مباشرة:
هل تحولت النزالة وزمران والخدير من مجرد دواوير تنتظر التنمية إلى ورقة انتخابية ثقيلة؟
العقارات.. والتقرير الرقابي.. والانتخابات
وتزداد حساسية المشهد بالنظر إلى الجدل الذي أثير خلال الأشهر الماضية حول ملفات عقارية وتدبير الشأن المحلي بتسلطانت.
فقد نشرت جريدة برلمان.كوم مادة تناولت ما وصفته بتداعيات تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية المرتبطة بتدبير الجماعة.
وبعيداً عن الأحكام المسبقة، فإن مجرد تداول هذه الملفات في الفضاء العمومي يجعل من الطبيعي أن ترتفع المطالب بالشفافية، وأن تقدم الجهات المعنية توضيحاتها للرأي العام.
خصوصاً أن أي مشروع لإعادة الهيكلة أو توسيع الطرق أو تغيير وضعية العقارات يجب أن يكون محكوماً بالقانون، وأن يحفظ حقوق السكان، بما فيها حقوق المتضررين في التعويض متى توفرت شروطه القانونية.
السؤال الذي لا يريد أحد طرحه
في تسلطانت، هناك سؤال يبدو بسيطاً لكنه سياسي بامتياز:
لماذا لا تُنجز المشاريع عندما يكون المواطن في حاجة إليها، ثم تستعيد حضورها بقوة عندما تقترب الانتخابات؟
فالمشروع الملكي ليس ملكاً لحزب.
ولا لرئيس جهة.
ولا لرئيس جماعة.
ولا لوزير.
ولا لمرشح انتخابي.
المشروع ملك للساكنة.
وبالتالي، فإن تحويله إلى إنجاز انتخابي لأي جهة سياسية سيكون، في نظر كثير من المتابعين، اختزالاً لمشروع تنموي كبير في حسابات انتخابية ضيقة.
الاختبار الحقيقي يبدأ من الورش
اليوم، لم يعد المواطن التسلطانتي بحاجة إلى مزيد من الخطب.
ولا إلى لقاءات بروتوكولية.
ولا إلى صور جماعية.
ولا إلى وعود عامة.
المطلوب بسيط:
أخرجوا البرنامج الزمني.
أعلنوا الاعتمادات.
حددوا الأشغال.
افتحوا الأوراش.
وأطلعوا المواطنين على كل التفاصيل.
عندها فقط يمكن أن ينتهي الجدل حول ما إذا كانت هذه التحركات تنموية خالصة أم أنها تحمل في طياتها رسائل انتخابية.
فإذا بدأت الجرافات والآليات العمل قبل أن تنتهي الحملة، سيكون ذلك جواباً.
وإذا بقيت الوعود معلقة إلى ما بعد الاقتراع، فسيكون ذلك أيضاً جواباً.
وفي كلتا الحالتين، ستظل ساكنة تسلطانت هي الحكم.
لأن الانتخابات تنتهي في يوم الاقتراع، أما المشاريع التنموية فتبقى آثارها لعقود.