ذ/ محمد العربي النبري إطار تربوي بتارودانت
في زمن متسم بالسرعة واستعمال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي للرفع من وثيرة التنمية وفي زمن تغيرت فيه معايير التقدم والتطور، تظل بعض المناطق في بلادنا حبيسة التهميش، تتخبط بين واقعها الصعب وطموحات أبنائها المشروعة في العيش الكريم والنهوض المنشود. من بين هذه المناطق، تبرز تارودانت كمثال حي على معاناة جماعة ترابية منكمشة على ذاتها بفعل عوامل متشابكة، أهمها انعدام رؤية تنموية استراتيجية ترتبت عنها تراكمات سلبية عديدة :غياب بنيات تحتية حقيقية، قنوات صرف صحي مهترئة ، نفايات متناثرة في كل مكان ،اسوار تهدد حياة الساكنة في كل لحظة ، مطرح نفايات عشوائي اصبح يشكل مجزرة بيئية في حق ساكنة الجماعة مشاريع موقوفة التنفيذ ( القاعة المغطاة بحي لا سطاح ثانوية ابن الادهم بنفس الحي … )، ضعف المرافق الأساسية، ، نذرة التشغيل ،غياب محطة طرقية تليق بموقع المدينة التاريخي والجغرافي والاداري ،وانسداد في أفق المبادرة المحلية. امام هذا الوضع المتردي للمدينة والإهمال الممنهج ضاع الزمن التنموي في التجاذبات والصراعات الصغيرة. وخاب ظن الساكنة في منتخبيهم، لن ينسى المواطن الروداني يا سيادة رئيس الجماعة مشاهد الدعاية الانتخابية 2021 وحينما قدم الساسة لأول مرة إليه من الرباط لوضع ملف ترشيحاتهم لنيل ثقته رافعين شعار”تارودانت عائدة الى مجدها”
تارودانت التي ذهب اولادها ” تروا ادانت ” تزخر بكفاءات علمية، وأطر إدارية، وعقول شابة متعلمة، وتجارب ناجحة في مجالات شتى، من التعليم إلى التجارة، ومن الفلاحة إلى المبادرات الجمعوية. كل هذه الطاقات قادرة على تحقيق تحولات إيجابية. لكن المؤسف أن الكثير من هذه الطاقات إما مهمشة، أو غير منخرطة، أو ضائعة في دوامة التراشق الكلامي والقطيعة النفسية. إن التجارب في مختلف المناطق اكدت أن لا تنمية بدون وحدة الصف وتجاوز الحسابات الضيقة. فالصراع من أجل الزعامة، أو التنابز بالألقاب، أو تخوين النيات، لا ينتج إلا مزيداً من التأخر والانقسام. تارودانت التاريخية ليست بحاجة إلى توزيع التهم، بل إلى توزيع المهام.
ان المدخل العملي والعملي لتجاوز الوضع الحالي في اعتقادي هو مساءلة الذات الرودانية نفسها، مساءلة تاريخ القرارات التي اتخذتها، هل كان اختيارها موفقا في منح السلطة لمن يسير شؤونها؟ هل ستكون الساكنة في مستوى اختيار من يمثلها ويسير شؤونها ام ستتحكم فكرة القرابة العائلية والدرب والحي في منح السلطة لاحقا.
هذه اسئلة جوهرية قد تتولد عنها اسئلة اخرى تستمد شرعيتها ومصداقيتها من واقع المدينة المزرى على جميع المستويات، اسئلة مؤلمة ينبغي أن تكون منصات للحوار الهادئ، والتقييم الصريح، لتفرز أفكاراً خلاقة قابلة للتنزيل ولو في مستوياتها الدنيا.
إن تارودانت التي نحلم بها ليست حلماً بعيداً، بل مشروعاً قابلاً للتحقق إذا صدقت النوايا، وتظافرت الجهود، وتوفرت القيادة المجتمعية الواعية. حلمنا هو تارودانت المستقبل الضاربة في التاريخ وفي الجغرافية حلمنا مدينة تتسع للجميع تتوفر على بنية تحتية محترمة، ومرافق تعليمية وصحية كافية، وطاقات شبابية منخرطة، واقتصاد محلي متنوع يستفيد منه المواطن دون زبونية او اقصاء، ومجتمع مدني فاعل لاتقتصر مهامه وادواره على الإحسان الموسمي وتوزيع القفف أو أنشطة المناسبات، بل ان يكون مؤسسات حقيقية للتأطير، والمرافعة، والتنمية المستدامة. مما يطرح من جديد على المجتمع الروداني أن يراجع أدواره ويؤهل نفسه، وأن ينخرط في مشاريع حقيقية تمس حياة الناس من خلال الترافع الجاد والصريح. وطرح المطالب والاولويات بشكل واضح وفق خارطة طريق واضحة وواقعية.
تارودانت ليست مجرد تراب أو ذكرى، إنها كيان حي يستحق منا أن نحبه بالفعل لا بالقول، والتاريخ لا يرحم من أهدر الفرص. فلنكن من بناة المجد، لا من شهود الضياع.