*برلمان الورثة!* ..

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

يبدو أن الديمقراطية عندنا دخلت مرحلة جديدة من التطور السياسي(مرحلة التوريث الديمقراطي!).
لم تعد السياسة مجرد تنافس على البرامج والأفكار والكفاءات، بل يبدو أن هناك من ٱكتشف وصفة أكثر أمانا للٱستمرار في المشهد (العائلة!).
– فإذا كان الأب قد عرف الطريق إلى البرلمان، فلماذا لا يسلكه الابن؟
– وإذا كانت الأم قد جلست تحت قبة البرلمان، فما المانع أن تلتحق بها البنت؟
– وإذا كان الأخ منتخبا، فلماذا لا يلتحق به أخوه؟
– ولماذا لا يواصل الحفيد، لاحقا، المسيرة العائلية؟
وهكذا، شيئا فشيئا، قد تتحول المؤسسة التشريعية من فضاء لتجديد النخب إلى ما يشبه دفتر الحالة المدنية السياسية!

القائمة المتداولة على مواقع التواصل الإجتماعي، والتي تضم أسماء لسياسيين تربطهم صلات عائلية داخل المشهد البرلماني، تثير الكثير من الأسئلة، وتفتح بابا واسعا للسخرية، لكنها في الوقت نفسه تستحق نقاشا سياسيا جديا.
أب وٱبنه…
أم وٱبنتها…
أخ وأخوه…
زوج وزوجته…
أب وٱبن وحفيد…
وبعض العائلات، لو ٱستمر الأمر بهذا الإيقاع، لن تعود بحاجة إلى شجرة عائلة معلقة في الصالون، بل ستحتاج إلى خريطة ٱنتخابية تحدد مواقع أفرادها تحت القبة!
وللتوضيح:
« لا أحد يقول إن ٱبن السياسي ممنوع من ممارسة السياسة، ولا إن بنت البرلماني لا يحق لها الترشح، ولا إن القرابة جريمة ٱنتخابية».
فالكفاءة لا تنتقل بالعدوى، كما أن الفشل ليس حكرا على عائلة دون أخرى.
لكن القضية ليست في حق فرد بعينه، وإنما في تحول الظاهرة إلى نمط متكرر يطرح سؤالا أكبر بكثير:
– هل نحن أمام تجديد للنخب السياسية، أم أمام تجديد للأسماء داخل العائلات السياسية نفسها؟

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…
– فمن يدخل السياسة لأول مرة من دون ٱسم عائلي معروف؟
– من يبدأ من الصفر؟
– من يبني علاقاته من لا شيء؟
– ومن يحتاج سنوات طويلة حتى يسمع به الناس، بينما هناك آخر يولد وفي جيبه الأول بطاقة تعريف سياسية جاهزة؟

الأحزاب لا تتعب من الحديث عن الشباب، والكفاءات، وتجديد النخب، وإعطاء الفرصة للطاقات الجديدة، لكن حين يحين موعد الإنتخابات، قد يجد المواطن نفسه أمام وجوه يعرفها منذ سنوات، ثم أبناء تلك الوجوه، ثم أقاربها، فيقال له بكل ثقة:
لقد جددنا النخب!
فيجيب المواطن:
– كيف؟
فيقال له:
هذه المرة ٱبن السياسي بدل السياسي!
يا سلام على التجديد!
لقد تغير الإسم الأول فقط، أما العنوان العائلي فباق في مكانه!
المشكلة ليست أن يكون ٱبن السياسي كفؤا.. فقد يكون بالفعل أكثر كفاءة من والده.
وليست المشكلة أن تكون إبنة البرلماني جديرة بالثقة.. فهذا ممكن أيضا.
المشكلة الحقيقية هي تكافؤ الفرص.
فٱبن السياسي لا يبدأ دائما من النقطة التي يبدأ منها شاب عادي لا يملك خلفه ٱسما سياسيا ولا شبكة علاقات ولا تاريخا ٱنتخابيا ولا معرفة بممرات الأحزاب ودهاليزها.
هناك من يرث المال، وهناك من يرث العقار، وهناك من يرث الشركة…
– فهل وصلنا إلى مرحلة يمكن فيها أن يرث البعض أيضا الموقع السياسي وشبكة النفوذ والٱمتداد الإنتخابي؟

إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام ظاهرة لا يجوز التعامل معها بٱعتبارها مجرد صدفة ٱنتخابية تتكرر مرة أو مرتين.
فالبرلمان ليس محلا تجاريا يسلم صاحبه مفاتيحه لٱبنه عند التقاعد.
وليس ضيعة عائلية تنتقل ملكيتها من الأب إلى الإبن ثم إلى الحفيد.
البرلمان ملك للمواطنين، والتمثيلية السياسية أمانة ٱنتخابية، وليست إرثا عائليا.
والأخطر من ظاهرة وصول الأقارب إلى المؤسسات المنتخبة هو أن تتولد لدى المواطن قناعة بأن الطريق إلى البرلمان ليس مفتوحا للجميع بالقدر نفسه، وأن بعض العائلات تعرف جيدا أين توجد الأبواب، ومن يحمل مفاتيحها، ومتى ينبغي طرقها.
وعندها يصبح الحديث عن تجديد النخب مجرد نكتة سياسية طويلة.
– ولماذا لا نقولها كما هي؟

إذا أصبحت بعض العائلات تنتج البرلمانيين جيلا بعد جيل، فقد يأتي يوم نحتاج فيه إلى لجنة برلمانية خاصة لدراسة سؤال بالغ الأهمية:
– من سيرث المقعد بعد ٱنتهاء الولاية؟
– الإبن؟
– أم البنت؟
– أم الأخ؟
– أم الحفيد؟
– أم نضع المقعد في وصية رسمية حتى لا يقع خلاف عائلي؟!

لكن خلف هذه السخرية توجد قضية أخطر.
إن ٱستمرار إعادة إنتاج النخب بالطريقة نفسها يمكن أن يجعل الحياة السياسية أكثر ٱنغلاقا، ويضعف فرص صعود وجوه جديدة من خارج الدوائر التقليدية، خصوصا من الشباب والكفاءات التي لا تمتلك إسما سياسيا عائليا ولا شبكة علاقات جاهزة.
وهنا لم يعد الأمر مجرد مادة للسخرية في مواقع التواصل الإجتماعي.
إنه سؤال ديمقراطي بٱمتياز.
ومن الناحية التشريعية، فإن معالجة هذه الظاهرة تستوجب فتح نقاش مؤسساتي جاد حول ضرورة وضع إطار قانوني واضح يضمن تكافؤ الفرص في الترشح، ويحول دون ٱستغلال الروابط العائلية أو النفوذ السياسي المتوارث في إعادة إنتاج المواقع الإنتخابية داخل الأسر نفسها.
ويقتضي ذلك، عند الٱقتضاء، سن مقتضيات تشريعية وتنظيمية دقيقة تضمن شفافية أكبر في ٱختيار المرشحين داخل الأحزاب، وتعزز مبدأ تكافؤ الفرص، وتمنع أي شكل من أشكال ٱحتكار التمثيلية السياسية أو تحويلها إلى ٱمتياز عائلي غير معلن.
ولا يتعلق الأمر بمنع الأقارب من ممارسة حقهم الدستوري في الترشح، وإنما بوضع ضوابط موضوعية وعادلة تمنع تحول القرابة السياسية إلى وسيلة دائمة لإعادة إنتاج النفوذ، وتضمن أن تكون المنافسة الإنتخابية قائمة أساسا على الكفاءة والٱستحقاق والبرنامج، لا على قوة الإسم العائلي وٱمتداداته.

فٱستمرار الوضع من دون نقاش تشريعي جدي قد يجعل الظاهرة، مستقبلا، أكثر ٱتساعا وتعقيدا، وقد يؤدي إلى تكريس نوع من التوريث السياسي غير المعلن، بما قد يضر بمبدأ تكافؤ الفرص، ويضعف ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة وفي جدوى تجديد النخب.
فإذا كان القانون يتدخل لمنع ٱحتكار الثروة والمنافسة الإقتصادية، فمن حق السياسة أيضا أن تحمي نفسها من أن تتحول إلى ثروة عائلية متوارثة.
لأن الديمقراطية ليست أن يكون لكل عائلة مقعد.
الديمقراطية أن يكون لكل مواطن فرصة حقيقية للوصول إلى المقعد.
وفي النهاية، لا أحد يملك حق منع ٱبن السياسي من السياسة، ولا يحق لأحد أن يعاقبه على إسم عائلته.
لكن من حق المواطن أن يسأل، وبكل بساطة:
– إذا كان تجديد النخب يعني أن يرث الإبن مكان الأب، فمتى يأتي دور ٱبن المواطن الذي لا أب له في البرلمان؟

وهنا تنتهي السخرية… وتبدأ المسألة الجدية.
لأننا إذا واصلنا السير بهذا الإتجاه، فقد يأتي يوم لا نحتاج فيه إلى ٱنتخابات لاختيار البرلمانيين…
يكفي أن نفتح دفتر الحالة المدنية، ونرى من هو الإبن التالي في الصف!
ذلك هو الخطر الحقيقي:
أن يتحول البرلمان من مؤسسة لتمثيل الشعب… إلى مؤسسة لإعادة إنتاج الورثة.

Comments (0)
Add Comment