بقلم: سمير بوزيد – مهتم بقضايا حماية المال العام ومحاربة الفساد، عضو مؤسس للهيئة الوطنية لحماية المال العام، نائب الرئيس
في مارس 2026، أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريرها “آفاق مكافحة الفساد والنزاهة 2026″، وذلك مصحوباً لأول مرة بمذكرة خاصة بالمغرب. ولا يستند هذا التقرير، وفق ما توضحه المنظمة نفسها، إلى استقصاء للانطباعات، بل إلى مؤشرات النزاهة العامة التي تقيّم 62 دولة عبر معايير دقيقة، مع التمييز المنهجي بين النص القانوني والممارسة الفعلية. وبعد تقريري البنك الدولي، يصل اليوم ثالث مقياس دولي إلى المواطن المغربي؛ وقد لا يقرأه الجميع، لكن أرقامه الواردة فيه تخص الجميع.
على مستوى التنظيم، يسجل التقرير نقاط قوة موثقة، إذ يستوفي المغرب 73% من معايير القوة الاستراتيجية لمكافحة الفساد، مقابل متوسط بلغ 38% فقط لدى دول المنظمة. بل يذهب التقرير أبعد من ذلك في مجال تمويل الأحزاب السياسية، حيث يسجل نتيجة كاملة: 100% في التنظيم و100% في الممارسة، متجاوزاً متوسطات المنظمة البالغة 76% و58%، إذ تودع جميع التشكيلات تقاريرها المالية في الآجال المحددة وتنشرها المحكمة المالية عبر منصة عمومية. كما يسجل الولوج إلى المعلومة العمومية 78% على المستوى التنظيمي، بفضل قانون الولوج إلى المعلومات والهيئات المنفذة له.
غير أن المذكرة تسجل، بشكل منهجي، فجوة بين النص والتطبيق فور تجاوز هذه المجالات. ففي شأن الضغط واللوبيات، تشير المنظمة إلى 20% على مستوى التنظيم مقابل 0% على مستوى الممارسة، مع غياب إطار يحدد فاعلي الضغط وأنشطتهم، ونظام لتصريح اللقاءات بين صناع القرار وممثلي المصالح، وسلطة إشراف على هذا المجال. وتلاحظ المذكرة كذلك أن سجل المستفيدين الفعليين، المنصوص عليه في القانون 12-18، لا يتيح الولوج الحر إلى هوية المالكين الحقيقيين للشركات.
وتروي مسألة تضارب المصالح القصة ذاتها، لكن بصمت أكبر: 78% في التنظيم مقابل 33% في الممارسة، وفق ما ورد في المذكرة، إذ صرّح جميع أعضاء الحكومة و99% من البرلمانيين بممتلكاتهم بين 2018 و2023، لكن أغلب التصريحات غير المطابقة جرى تسويتها بعد إشعار بسيط، دون نشر معطيات عن العقوبات المطبقة، ودون قاعدة بيانات مركزية أو ولوج عمومي إلى تصريحات كبار المسؤولين. وأبلغ من ذلك كله، تشير المنظمة في ثلاث مواضع إلى “معطيات غير متوفرة” في شأن النزاهة القضائية ونزاهة النيابة العامة والنظام التأديبي للموظفين؛ وغياب القياس هو في حد ذاته قياس.
ولا يقف هذا التشخيص منعزلاً، بل يتقاطع مع مؤشرات دولية أخرى، إذ يصنف مؤشر منظمة الشفافية الدولية لسنة 2025 المغرب في 39 نقطة من أصل 100 (المرتبة 91 من أصل 182 دولة)، ويوصي صندوق النقد الدولي، في مشاورات المادة الرابعة لسنة 2026، بتسريع تجريم الإثراء غير المشروع وتعزيز حماية المبلغين. علاوة على ذلك، تلاحظ مذكرة المنظمة أن تقارير المتابعة العمومية للاستراتيجية الوطنية توقفت عند فترة 2019-2022.
وخلاصة رأيي، قدّم البنك الدولي تشخيصاً اقتصادياً للثقة، وأضافت المنظمة مقياساً مؤسساتياً، وتذكّر منظمة الشفافية بالثمن المدني للخلل. والوقائع الواردة في هذه الوثيقة الدولية تطرح سؤالاً واحداً: لم يعد التحدي في صياغة القوانين، بل في مراقبة تطبيقها. وهناك، بالضبط هناك، يكمن الخلل.
المصدر: مذكرة المغرب ضمن تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “آفاق مكافحة الفساد والنزاهة 2026” — متاحة بحرية:
https://www.oecd.org/en/publications/2026/03/anti-corruption-and-integrity-outlook-2026-country-notes_b1df9263/morocco_1c092538.html
—