المنصب بين الغنيمة والمسؤولية!….

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في العالم العربي ، المنصب ليس وظيفة عمومية تؤدى بموجب عقد ، ولا تكليفا وطنيا يُنتخب صاحبه لخدمة الشعب ، بل هو أقرب إلى كنز دفين حُفر له بالدهاء لا بالكد ، وسُلِب لا طُلب ، وٱعتُبر غنيمة لا أمانة.

المنصب في بلادنا يشبه (بيضة الديناصور) النادرة! من وجدها ٱحتضنها ، وربما أكلها سرّا قبل أن تُفقس!!

حين يُفتح باب الترشّح لمنصب ما ، ترى القوم وقد ٱستحالوا فجأة إلى نسّاك زاهدين في الدنيا إلا من «خدمة الوطن» ، الجميع يصرخ: «نفسي.. نفسي» ، لا لشيء إلا لأن الكرسي يُحرّك في الأعماق رغبة دفينة في التحول من عبد مأمور إلى فرعون مأمور به!!!

ينام الرجل بين عشية وضحاها موظفا عاديا ، ويصحو صباحا على نَفَس سلطاني لا يعرف نفسه ، صار يرى المرور ضوءا أخضر دائما ، والدستور ورقة قابلة للتعديل حسب المقاس.

 

يُقال إن المسؤولية تكليف لا تشريف ، لكن في القاموس العربي غير المنقّح ، المسؤولية تشريف لا تكليف ، و(بزولة) لا تنضب لمن أحسن الحلب ، ونافذة مفتوحة على دنيا الرفاهية لمن عرف من أين تؤكل الكتف ، ومن أين تُقصّ الأظافر… أما الضمير المهني فغالبا ما يُترك على عتبة الإدارة أو الوزارة ، كالحذاء في بيوت المتدينين.

 

التهافُت على المناصب يُشبه سباق الماراثون ، لكن الفرق أن المتسابق العربي لا يجري.. بل يدفع ، ويتسلّق ، ويعضّ أحيانا.

يُجيد فن (تخراج العينين) وتبنّي المصلحة الوطنية (كغطاء مطاطي) يُغلف به نواياه التي تعرفها نفسه الأمارة بأسوء السوء مسبقا ، ولم لا؟ فالمنصب في عرف البعض ليس سوى سلم يُفضي إلى المزيد من الإمتيازات: «سيارة بزجاج داكن ، راتب غامض ، بدلات لا تُعدّ ، وتقاعد مريح لمن أجهد نفسه شهرا وٱستراح دهرا…».

 

وقد يعتلي المنصب صاحب شهادة في (علم التزكية والقبلات) ، متخرج من مدرسة (من يعرف مَن) ، لا من (ماذا أعرف) ، وإن سألته عن ٱستراتيجيته ، صمت!

وإن سألته عن أولوياته ، تأمّل السقف!!

وإن حاصرته بالوقائع ، ٱستدعى الوطن ، ثم الملك ، ثم الله… ثم ٱنسحب وسط تصفيق الحضور!!!

كل شيء في بلادنا قابل للتأجيل ، ما عدا التهافت على المناصب ، فعندها يتحول الجميع إلى مخلوقات سريعة التوالد السياسي ، يعرفون متى يظهرون ، ومتى يختفون ، ومتى يُطلقون الوعود التي تُنسى قبل أن يجف حبر التصريح.

 

فيا أيها المنصب ، يا من شُبّهت بالغنيمة زورا ، وٱعتُبرت مطيّة لبلوغ الفردوس الوظيفي ، ٱعلم أنك في عرف العقلاء مسؤولية كبرى ، وفي عرف البعض الآخر مجرد (خزنة) بثلاث مفاتيح ، أحدها عند الطامع ، والآخر عند المنافق ، والثالث… لا أحد يعرفه؟!.

Comments (0)
Add Comment