” المكبَّلون بالديون! “.

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في وطنٍ يُراد له أن يمشي إلى الأمام ، بينما قدماه مغمورتان في الوحل… نعيش نحن ، المكبَّلين بالديون ، لا نحيا حقّا ، بل نؤجل السقوط قدر الإمكان.

 

نصحو كل صباح لا لنذهب إلى العمل ، بل لنذهب إلى القرض ، لنُرضي البنك ، ونُطفئ نار (الكونطرا) ، ونحاول جاهدين أن نقنع الخباز بأن الساعة «ساعة أزمة» ، وأن الدين لا يُنقص من المروءة شيئا ، طالما أن الشرفاء هم أكثر الناس مديونية!

 

تبدأ القصة ببطاقة بنكية صغيرة ، وتنتهي بحبل حول العنق لا يُرى… ٱسمه الإقتطاع التلقائي.

أما الروح.. فقد تم ٱقتطاعها منذ أول توقيع على أول سطر من عقد القرض العقاري أو الإستهلاكي أو التعليمي أو حتى… الطبي!!

 

المكبَّلون بالديون هم أكثر الناس ٱلتزاما بالقانون ، ليس حبًّا فيه ، بل خوفا من الهاتف حين يرنّ بٱسم «محامي البنك».

هم أكثر الناس ٱحتراما للمواعيد ، ليس ٱحتراما للوقت ، بل لأن التأخير يعني فوائد إضافية ، وأحيانا تهديدا ضمنيًا بتشويه السمعة أو حجز ما تبقى من الكرامة!!!

 

ولك أن تتساءل:

– من صمَّم هذا الجحيم؟

 

إنها ليست فقط سياسة ٱقتصادية فاشلة ، بل هي خطة صهيونية محضة ، ترتدي قناع (التنمية) ، وتخفي وراءها مشروعا خطيرا عنوانه:

” ٱستعباد الشعوب بالديون بدل السلاسل ”

وتكبيل الأحرار بالأقساط بدل الأغلال.

 

إنها منظومة تُحاكي (سوق النهاية) ، لا بالخناجر والسجون ، بل عبر وثائق موقَّعة تُحيل الفقير إلى رهينة ، والمواطن إلى تابع ، والراتب إلى وسيلة إخضاع.

فالمديون لا يثور ، بل يُفكر في القسط القادم.

ولا يرفع صوته ، بل يُنزل رأسه أمام المُقرض.

 

تُريد هذه السياسات أن نحصر تفكيرنا في لقمة العيش ، وأن ننسى القضايا الكبرى ، أن نُسكت العقل ، ونكبت الغضب ، ونؤجل الكرامة…

في حين تلهو الطبقة العليا بٱمتيازاتها…. وتسرق الحلم بكل وقاحة ، ثم تعلّمنا فوق ذلك ، فضيلة (الصبر على الفقر)!.

 

إنها سياسة هدفها دفن الوعي ، وخنق السؤال ، وتفكيك إرادة التغيير ، وتحويل الشعب إلى مجرّد مجموعة أفراد لاهثين خلف الفاتورة ، ومذعورين من الإقتطاع ، وعاجزين عن المطالبة بأي شيء… حتى بحقّهم في الشكوى.

 

ويا للعجب ، يُشرَّع الربا في أوضح صوره ، بينما يُطارد (المعوز) كما يُطارد الجاني.

وفي القرآن الكريم ، لا نجد لفظًا يُقارَن بالحرب من الله ورسوله إلا في هذا السياق ، إذ يقول سبحانه وتعالى:

﴿فَإِن لَم تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279].

 

فأيُّ مصيرٍ ننتظره ، ونحن نُغرق الناس في الربا ، ونزجّ بهم في نفق لا قرار له ، ونسميه (قرضًا ميسرًا)؟!

 

لكن الأخطر من الدين المالي… هو الدين الوجودي.

ذاك الذي لا يُقتطع من راتبك ، بل من عمرك.

ذاك الذي لا يرهق الجسد فقط ، بل يُفني الروح ، ويُذيب الكرامة ، ويؤجّج نار الحسرة في الآخرة أيضا.

فما أكثر الذين ٱستدانوا ” دنيا “… فخسروا بها ” دينهم “أيضًا!

 

نحن لا نعيش… نحن فقط نُدفَع نحو الحياة بالأقساط!!

 

وفي الختام ، نقولها ونحن نبتسم بسخرية مرة:

« الوطن الذي يربط مصير أفراده بالقروض ، هو وطنٌ يسير على حبل مشدود فوق حفرة من نار… وكلنا في الانتظار!!! ».

Comments (0)
Add Comment