المغرب الغني بمعالمه الحضارية الانسانية وتنوعه متشبث بتراثه الحضاري اللامادي والعناية به (مؤرخ المملكة)

أكد مؤرخ المملكة، السيد عبد الحق المريني، اليوم الجمعة بمدينة العرائش، أن المغرب الغني بمعالمه الحضارية الانسانية وتنوعه أبان عن تشبثه بتراثه الحضاري اللامادي والعناية به.

وقال مؤرخ المملكة خلال الدورة الخامسة للمنتدى الدولي للمدن العتيقة، الذي تنظمه “الشبكة المتوسطية للمدن العتيقة وتنمية التراث”، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تحت شعار “التراث المستدام، التمويل والحكامة”، إن المغرب الغني بمعالمه الحضارية الإنسانية وبتنوعه البشري والسلالي والثقافي والتاريخي والجغرافي والعقائدي قد أبان بفضل تنظيم مؤسسات وشبكات وجمعيات المجتمع المدني عدة منتديات وندوات حول التراث اللامادي على تشبثه بتراثه الحضاري غير المادي والعناية به والتعريف بأبعاده الحضارية.

وأضاف في مداخلة له بالمنتدى، المنظم بشراكة مع جماعة العرائش والمجلس الإقليمي للعرائش وشركاء آخرين دوليين ووطنيين، أن المغرب الغني بأصوله الأمازيغية والصحراوية والإفريقية والأندلسية حريص على تنمية التراث اللامادي وجعله رافدا من روافد التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر تشجيع المواطنين على التجاوب معه وإيلائه المكانة اللائقة به في النسيج الاجتماعي والثقافي محليا وجهويا ووطنيا طبقا للتعليمات الملكية السامية.

وأشار السيد المريني إلى أن جلالة الملك محمد السادس نصره الله وفي كثير من المناسبات ما فتئ يؤكد على أن التراث غير المادي يعد ركيزة هامة من ركائز التنمية الشاملة المستدامة ومكونا أساسيا للثروة المغربية ورصيدا تاريخيا وثقافيا يجب المحافظة عليه وحمايته من كل تزييف وتحريف وتخليده للأجيال الصاعدة القادمة.

وأوضح أن المغرب انضم إلى اتفاقية منظمة اليونسكو التي تم إبرامها سنة 1970 والمتعلقة بالتدابير الواجب اتخاذها لمنع الملكية الشخصية لممتلكات الدولة من قطع أثرية وبنايات معمارية تاريخية أو أي تراث ثقافي ثمين كالمخطوطات والوثائق والنقود التاريخية والتحف الفنية العتيقة، مضيفا أن المغرب صادق كذلك على اتفاقية المحافظة على التراث الثقافي اللامادي سنة 2006 .

وأبرز أن المغرب فاز خلال السنين الأخيرة باعتراف منظمة اليونسكو كتراث إنساني لمجموعة من المآثر والمدن العتيقة كمدينة فاس القديمة والمواسم الجهوية وطرق التنمية الفلاحية التقليدية كزراعة شجرة الأركان والمواقع الشعبية كساحة جامع الفنا بمراكش وموسم طانطان بالصحراء المغربية ومهرجانات الفروسية وغيرها من المعالم المغربية الأصيلة.

كما يدخل في صلب هذا النطاق ما تزخر به المدن المغربية العتيقة والتراث الشعبي الشفوي والتراث المخطوط والمنقول بالإضافة إلى “عاداتنا وتقاليدنا وحفلاتنا العائلية والشعبية والفصلية ومواسمنا الفلاحية والشعبية والدينية واطباقنا الغذائية المتميزة، لافتا إلى أن “التراث المغربي متفرد في تجلياته ومقوماته نابض بالحياة في المدن المغربية العتيقة دال على أصالتنا ومعبر أكبر تعبير عن هويتنا الوطنية ومكون صلة وصل بين ماضينا وحاضرنا مما يجعل المغاربة يفتخرون به”.

من جهته، قال الكاتب العام لوزارة الثقافة والاتصال، السيد محمد لطفي المريني، إن وزارة الثقافة والاتصال في إطار الاختصاصات الموكولة لها تعمل جادة على وضع وتنفيذ استراتيجية وطنية تهدف إلى المحافظة ورد الاعتبار للتراث الثقافي المادي وغير المادي من خلال عمليات الجرد والتوثيق والحماية القانونية ومشاريع الترميم ورد الاعتبار للمباني التاريخية والمواقع الأثرية والمجموعات المتحفية وأنسجة المدن العتيقة. وأوضح أن المغرب، الذي يضم 31 مدينة عتيقة سبعة منها مصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو وهي فاس ومكناس وتطوان ومراكش والصويرة والجديدة والرباط، أولى اهتماما خاصا للمدن العتيقة عبر برامج مندمجة أعطى انطلاقتها جلالة الملك محمد السادس تروم ترميم المعالم التاريخية والبنيات الآيلة للسقوط وتعزيز النسيج الحضري والتقليدي وتحسين ظروف الساكنة، وكذا تطوير البنيات التحتية والمنشآت الدينية والمراكز الثقافية.

وأشار إلى أن هذا البرنامج يهدف أيضا إلى تثمين المعالم التاريخية والمواقع الأثرية وإعادة الاعتبار للنسيج الحضاري المتميز وتقوية جاذبية المدن العتيقة فضلا عن تأهيل المدارات السياحية بها لجعل هذا الإرث التاريخي قطبا للتنمية المستدامة وعنصرا اساسيا لمد الجسور بين الماضي والحاضر والحفاظ على المكاسب الحضارية والتاريخية.

من جانبه، أكد عامل إقليم العرائش، السيد المصطفى النوحي، في مداخلته أن مقاربة إشكالات المدن العتيقة يجب أن تضع ضمن أولوياتها الانسان المستوطن للمجال العتيق باعتباره الشخصية الثقافية المشاركة في إنتاج وحفظ مجالات العيش المشترك العتيق، وكذا الاهتمام بالمعماري المتخصص الذي أصبح يعاني من مشكل فقدان الهوية بسبب غياب الوعي التاريخي والاجتماعي في عمليات التخطيط المعماري وإهمال التراث السوسيو مجالي والقفز عليه في عمليات إعادة ترميم المجال العتيق.

وأبرز السيد النوحي الحضور القوي لإفريقيا ضمن أشغال المنتدى الخامس للمدن العتيقة لتوسيع آفاق التعاون والتنمية للمغرب وكمدخل آخر لتبادل التجارب والخبرات، مشيرا إلى أن التوجه الإفريقي الذي أرسى دعائمه جلالة الملك محمد السادس مكن من توقيع ألف اتفاقية تعاون مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء منذ سنة 2000 ، كما عمل جلالته على إبراز المملكة المغربية كبلد صديق وموثوق به.

من جهته، شدد السيد إلياس العماري، رئيس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أن التراث بمختلف تجلياته، المادي و اللامادي، لا يحفظ فقط ذاكرة الشعوب والحضارات ليجعل حاضرها ومستقبلها وإنما هو أيضا رأسمال مادي ورمزي تتوارثه الأجيال، مشيرا إلى أن التراث يصبح مصدر ثروة مادية تعود منافعها على المواطنين إذا تم استغلاله على الوجه الأحسن حيث أن المآثر التاريخية والأحياء العتيقة والمتاحف والموسيقى العريقة وغيرها، تعتبر مصدر إنتاج للثروة وإنعاش لفرص الشغل ومساهمة في رفع نسب النمو بالبلدان السباقة إلى الاستثمار في التراث المادي و اللامادي.

وأكد أن تعبئة الموارد المالية للنهوض بالتراث ليست فقط هي المطلوبة للنجاح في تحقيق الأهداف المرجوة لتحويل تراثنا المادي واللامادي إلى منارة لجذب الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم، وإلى رافعة للمساهمة في التنمية وفي إنتاج قيمة مضافة، وإنما النجاح في هذا المجال لن يكون مضمونا ما لم يكن مسنودا بالحكامة وحسن التدبير، مبرزا أن النجاح يتطلب، أيضا، تجنيد الكفاءات و الخبرات الوطنية المتخصصة في المجال، و استثمار الأبحاث العلمية و الأكاديمية التي تم إنجازها من طرف الجامعات.

أما السيد مشيش القرقري، مدير المنتدى الدولي الخامس للمدن العتيقة، والنائب الأول لرئيس الجماعة الحضرية للعرائش، فأكد في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء أن انعقاد المنتدى بمدينة العرائش، بحضور وفد مؤسساتي وممثلي العديد من الدول الأجنبية منها 14 دولة إفريقية، يعد نقلة نوعية في اشتغال الشبكة المتوسطية للمدن العتيقة وتنمية التراث، على اعتبار المحاور العلمية المتطورة التي تناولها كاستدامة التراث وجعله رافعة للتنمية الاجتماعية والسياحية للمدن العتيقة التي تعاني من عدة مشاكل كوجود الدور الآيلة للسقوط والهشاشة وانعدام البنى التحتية.

واشار إلى أن من أهداف المنتدى تأسيس منظمة المدن الإفريقية التي تعنى بالتراث ، ومحاولة تأسيس آلية تمويلية مرنة لمواجهة المشاكل التي تعاني منها المدن العتيقة، مضيفا أن المنتدى سيتطرق إلى إعطاء المزيد من الاختصاصات للجماعات الترابية خصوصا الجماعات الحضرية لتدبير التراث مع توفير التمويل الضروري.

وشهد حفل انطلاق المنتدى تكريم مؤرخ المملكة وشخصيات أخرى تعنى بالتاريخ بالإضافة إلى التوقيع على خمس اتفاقيات إطار حول دعم التراث وتثمينه.

ويتخلل المنتدى تنظيم ثلاث جلسات عامة تتناول التراث : التمويل والتثمين، والتراث المستدام والحكامة، ودور المجتمع المدني في تثمين التراث.

حضر انطلاق أشغال المنتدى على الخصوص كاتبة الدولة المكلفة بالإسكان، فاطنة لكحيل، ومدير وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعمالات وأقاليم شمال المملكة، ورؤساء المجالس والجماعات الترابية الوطنية والدولية والمنتخبون ورئيس المجلس العلمي وممثلو الهيئات والمنظمات الدولية.

وتهدف الشبكة المتوسطية للمدن العتيقة وتنمية التراث، التي تأسست سنة 2011 ، إلى تطوير التعاون والتنسيق والتضامن بين كل المهتمين من أجل حماية وتنمية المدن التاريخية وطنيا ودوليا وإدارة وتطوير الموارد البشرية للجماعات المحلية والمحافظة على التراث والتنمية المستدامة للمراكز التاريخية للمدن العضو بالشبكة، وكذا المساهمة في الرفع من المستوى الاقتصادي للساكنة المحلية عبر إنجاز مشاريع سوسيو اقتصادية من خلال الأنشطة المدرة للدخل التي لها علاقة بالسياحة الثقافية والتراث لفائدة المدن المنضوية تحت لواء الشبكة.

Comments (0)
Add Comment