بقلم: سعيد حمان
- في زمن يتكاثف فيه الاضطراب الوجودي وتتزاحم الأسئلة الكبرى حول المعنى، يطل المسرح المغربي مجددًا، لا كأداة للترفيه أو محاكاة الواقع فحسب، بل كحقل دلالي يعيد تأويل الذاكرة، ويختبر حدود اللغة والتعبير. ضمن فعاليات اليوم الرابع من المهرجان الدولي لمسرح الأحياء بمدينة مدنين، قدّمت فرقة مغربية عرضًا دراميًا استثنائيًا بعنوان “المحطّة 50″، من تأليف بدر قلاج وإخراج عبد الصادق طيارة، في تجربة مسرحية تجاوزت المألوف، ولامست تخوم الفلسفة، والتراث، والوجود.
العمل، الذي دارت أحداثه داخل مشهد واحد – محطة انتظار – لم يكن تكرارًا لرمزية الانتظار العبثي كما في تقاليد المسرح الوجودي الكلاسيكي، بل كان إعادة صياغة مغربية لهذا المفهوم، عبر توظيف فني للغة الدارجة، والرموز المحلية، والحكاية الشعبية. هذه المحطة، بخلاف ما توحي به من سكون، كانت ديناميكية في شحناتها الرمزية، حيث تتقاطع فيها الذاكرة الفردية والجماعية، ويتحول الجسد المسرحي إلى أداة تعبير عن القلق، والتيه، والتوق إلى المعنى.
تميز العرض بسينوغرافيا بصرية دقيقة صممتها وفاء أبو شادي، وإنارة وموسيقى مبهرة من توقيع أحمد الوادودي، بينما جسّد الأداء التمثيلي الثلاثي – آمال بوعثمان، حليمة بلكدع، وبدر قلاج – صورًا إنسانية متكسّرة، تعيش لحظة وجودية معلّقة، حيث يتماهى الشخصي مع الجماعي، والحلمي مع الواقعي.
ما يُحسب لـ”المحطّة 50″ هو قدرتها على إدماج التراث المغربي في عمق بنية العرض دون الوقوع في فخ الفولكلور السطحي. فالعرض لا يستعيد التراث بوصفه متحفًا، بل يحوّله إلى طاقة فاعلة قادرة على مساءلة الراهن. اللغة المغربية، بحمولتها الثقافية والشعرية، حضرت بقوة، لكنها كانت مصقولة، واعية، ومحمّلة بدلالات تتجاوز المباشر.
كذلك، نجد العرض يتجاوز حدود المسرح التقليدي، ليطرح سؤالًا أعمق حول دور المسرح في زمن التآكل القيمي، وتحول الإنسان إلى مجرد ترس في آلة الزمن المتسارع. هل المسرح اليوم قادر على إعادة ربط الإنسان بجذوره؟ هل يستطيع أن يكون وسيلة مقاومة رمزية، واستعادة للذات المغتربة؟
“المحطّة 50” لا تُجيب، بل تُربك. لا تُطمئن، بل تُقلق. وهي بذلك ترسم لنفسها مسارًا مغايرًا داخل المشهد المسرحي العربي، مسارًا يعلي من شأن التأمل، والبحث، والانزياح عن الخطابات الجاهزة. إنها ليست “عرضًا” فنيًا فحسب، بل تجربة ذهنية وجمالية تحرّك المياه الراكدة في تصوراتنا عن الفن، والزمن، والذاكرة.
في النهاية، يبدو أن “المحطّة” لم تكن مجرّد وقفة في سفر، بل علامة استفهام كبرى في درب طويل نحو استعادة المعنى. فبين العدم والذاكرة، هناك المسرح… وهناك إمكان ولادة جديدة.