محمد سيدي : بيان مراكش
ليست قوة الدول في حجم ما تملكه من موارد فقط، ولا في عدد ما تنتجه من قوانين ومؤسسات، بل في قدرتها على جعل المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، والسلطة مقرونة بالواجب، والإختصاص مقرونا بالنتائج ، فكل تجربة تنموية ناجحة في العالم لم تنطلق من وفرة الإمكانيات وحدها، وإنما إنطلقت من ترسيخ مبدأ بسيط في صياغته، عميق في أثره لا مسؤولية دون محاسبة، ولا محاسبة دون مسؤولية.
وفي المغرب، لم يعد هذا المبدأ مجرد شعار سياسي أو مطلب ظرفي تفرضه التحولات الراهنة، بل أصبح خيار دستوري وإستراتيجي يجد سنده في التوجيهات الملكية المتواصلة الداعية إلى تخليق الحياة العامة وترسيخ الحكامة الجيدة وربط ممارسة السلطة بخدمة المواطن وتحقيق النتائج الملموسة.
لقد أكد أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره في أكثر من مناسبة أن الغاية من المسؤولية العمومية ليست التمتع بالإمتيازات أو البحث عن المواقع، وإنما خدمة الصالح العام وتحقيق التنمية والاستجابة لانتظارات المواطنين، كما شدد في خطبه السامية على أن المرحلة تقتضي الجدية والفعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة بإعتبارها مدخلا أساسيا لتعزيز الثقة في المؤسسات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان هذا المبدأ ضروريا، فذلك أصبح محل إجماع وطني، وإنما كيف نجعله ثقافة يومية في التدبير العمومي؟ وكيف ننتقل به من النصوص إلى الممارسات؟ ومن الشعارات إلى النتائج؟ ومن الخطابات إلى واقع يلمسه المواطن في الإدارة والجماعة الترابية والمؤسسة العمومية وكل فضاء من فضاءات القرار؟
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يفهم باعتباره آلية للعقاب فقط، بل بإعتباره وسيلة للتقويم والتحفيز وتحسين الأداء ، فالمحاسبة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف حماية المال العام وصيانة الثقة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع ، وهي بذلك تشكل ضمانة للمسؤول النزيه قبل أن تكون وسيلة لمساءلة المقصر.
كما أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في بيئة يغيب فيها التقييم الموضوعي للسياسات العمومية ، فكيف يمكن قياس النجاح دون مؤشرات؟ وكيف يمكن تصحيح الاختلالات دون مساءلة؟ وكيف يمكن تعزيز ثقة المواطن في المؤسسات إذا لم يكن مقتنعا بأن كل مسؤول يخضع للقانون ويقيم بناء على حصيلته ونتائج عمله؟
لقد إختار المغرب ، بقيادة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، مسارا إصلاحيا يقوم على تحديث المؤسسات وتعزيز الحكامة الجيدة وترسيخ دولة الحق والقانون ، وهذا الإختيار يفرض على الجميع، أفرادا ومؤسسات أن يجعلوا من المسؤولية إلتزاما أخلاقيا ووطنيا قبل أن تكون مجرد إختصاص إداري أو سياسي.
فالأمم لا تنهض بالشعارات مهما كانت جميلة، وإنما تنهض حين يشعر المواطن أن القانون يسري على الجميع، وأن الكفاءة تكافأ، وأن التقصير يعالج، وأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريف ، وعندما تتحول هذه القناعة إلى ثقافة عامة، يصبح ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد مبدأ دستوري، بل أسلوبا في بناء الدولة وصناعة المستقبل.
وإذا كان المغرب يستعد لرهانات كبرى وتحديات متسارعة، فإن النجاح في كسب هذه الرهانات لن يكون رهينا بالإمكانيات وحدها، بل بقدرتنا الجماعية على جعل المسؤولية والمحاسبة وجهين لعملة واحدة، وفاء لروح الدستور، وإنسجاما مع الرؤية الملكية المتبصرة، وترسيخا لثقة المواطن في مؤسسات وطنه.