يشكل إحداث المدن الجديدة بالمغرب، باعتبارها جيلا جديدا من المشاريع العمرانية الكبرى، حلقة هامة ضمن سياسات التعمير التي تروم تحقيق الاندماج الفعلي للساكنة ضمن نسيج عمراني يتسم بالولوجية، مما يمكن من النهوض برهان الحكامة الجيدة.
تامنصورت، وتامسنا، وشرافات والساحل- الخيايطة وغيرها من المشاريع الكبرى، تعد تجارب رائدة، ضمن استراتيجية وطنية تروم إحداث 15 مدينة جديدة في أفق 2020، سيتم تسليط الضوء عليها خلال الندوة الدولية “المدن الجديدة في إفريقيا: نظرات متقاطعة”، التي تحتضنها مدينة تامسنا، بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس هذه المدينة وفي إطار الدورة الخامسة لمهرجان تامسنا، والتي ستشكل فرصة حقيقية لتبادل الخبرات والتجارب والنقاش حول الاستراتيجيات الرامية إلى تطوير الخدمات المقدمة للساكنة، من حيث السكن والولوجيات والصحة والتعليم وغيرها.
هذا الجيل الجديد من المشاريع، مكن من إرساء نموذج حديث للحكامة، يروم تقوية الهياكل العمرانية، والتقليص من الضغط المتزايد على المدن الكبرى، وكذا تطوير الاستجابة للحاجيات المتنامية في مجالات عدة، من خلال تعزيز العروض المقدمة بغية استقطاب شرائح واسعة من الساكنة.
وتعرف المدينة الجديدة بكونها كيانا ينبثق من إرادة سياسية تقوم على إحداث فضاء جديد للعيش بالنسبة للساكنة، إذ تمكن المشاريع المنجزة في هذا الإطار من تحقيق أنماط جديدة للتهيئة، تتسم في الغالب بمحاولة التفكير القبلي في كيفية تصور مدينة “مثالية” تساهم في تجاوز “الأخطاء” العمرانية التي تقع فيها الحواضر الكبرى، وتحقيق اندماج السكان في فضاء للعيش المشترك يتيح كافة المرافق الضرورية، فضلا عن إطار للعيش يحدث قطيعة مع بعض الأنماط السلبية التي تتسم بها غالبية التجمعات الحضرية الكبرى.
وتروم عروض السكن الاقتصادي والاجتماعي التي تراهن عليها هذه المدن، بالأساس تخفيف العبء عن التجمعات الحضرية الكبرى، التي لم تعد قادرة على استيعاب النمو الديمغرافي المتزايد، بما يطرحه من إشكالات وتحديات ترتبط بالسكن اللائق ومختلف التجهيزات العمومية والخدمات، إلى جانب التنقل المرن، فضلا عن الحفاظ على البعد الإيكولوجي.
ويتقاسم المغرب مع العديد من البلدان الإفريقية، التحديات ذاتها في مجال التعمير وسياسات التخطيط الحضري، وترتبط أساسا بالتوسع العمراني المتزايد وتفعيل الدينامية الاقتصادية، مما جعل العديد من البلدان تبحث عن بدائل لمواجهة هذه التحديات.
فعلى الصعيد الإفريقي، تظل رهانات التهيئة المجالية والحكامة أبرز المحاور المرتبطة بسياسات المدن الجديدة، وهي المحاور التي ستناقشها الندوة الدولية، حيث سيتمكن المتدخلون المغاربة من بسط تجربة رائدة في المجال بالمملكة، والاطلاع على التجارب الإفريقية، وذلك في أفق تبادل الخبرات وتعميم الاستفادة من التجارب الناجحة، وتذليل العراقيل التي تواجه هذه المشاريع.
وتظل المدن الجديدة، باعتبارها تجارب رائدة في حاجة للتتبع والمواكبة من قبل مختلف الفاعلين، مؤسساتيين وخواص ومجتمع مدني، فضاءات مفتوحة غايتها إعادة وضع المواطن في صلب اهتمام السياسات العمرانية، من خلال توفير مقومات نجاح المشاريع الرامية إلى تعزيز العرض السكني وخدمات القرب المقدمة لفائدة المواطنين، مما يتطلب انخراطا جماعيا غايته إنجاح هذه التجارب وتحقيق غاياتها المتمثلة في توفير السكن والخدمات لفئات واسعة من الساكنة.