المتابعات القضائية ضد الصحفيين… حين تُطارد الكلمة في بلد يفاخر بحريته!

✍🏻 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في بلد نحب أن نصفه بأنه واحة الديمقراطية والحريات والعدالة، يطفو في السنوات الأخيرة مشهد مقلق لا يمكن تجاهله، يمكن ٱختزاله في تنامي المتابعات القضائية ضد الصحفيين، في سلوك يتعارض مع الروح الدستورية التي جعلت من حرية التعبير حقا أصيلا لا يُمسّ.
والغريب في الأمر، بل المثير للسخرية السوداء، أن جل هذه المتابعات لا تسلك المسار الطبيعي الذي خُلق لأجله قانون الصحافة والنشر، بل تُسحب إلى دهاليز القانون الجنائي، وكأن الصحفي يحمل في جيبه سكينا لا قلما، ويقتحم حياة الناس جناية لا تحقيقا.

هذه الظاهرة لم تعد حالات معزولة، بل صارت نموذجا يتكرر في مدن عدة، من بينها «مدينة مراكش»، التي تقدّم اليوم كعيّنة تعكس ما أصبح يحدث في أكثر من جهة!
مراكش، المدينة المتسامحة المنفتحة، وجدت نفسها على غير عادتها، في قلب موجة من المتابعات التي طالت أقلاما حرة وأفواها جريئة، لأسباب لا يمكن فصلها عن تحركات سياسية جعلت من ملاحقة الرأي الحر شغلا شاغلا، بل ووسيلة تُستعمل حين تعجز الحجة عن الردّ وحين تضيق الصدور بالنقد.
وإذا كانت مراكش نموذجا، فإن النموذج للأسف قابل للتعميم…
ما يحدث فيها يكشف عن نزعة متنامية لدى بعض الأطراف التي لم تستوعب بعد أن المغرب يسير في ٱتجاه مغاير تماما.
ٱتجاه توسيع الحريات، لا التضييق عليها.
ٱتجاه تقوية الصحافة، لا تكميمها.
ٱتجاه بناء دولة حديثة، لا إعادة تدوير ممارسات بالية.

ومن السخرية المُرة أن يتحول (المجتهد السياسي) إلى (مشتك دائم)، وأن يصبح شغله الشاغل هو متابعة الصحفيين بدل متابعة هموم المواطنين.
وكأن بعض الفاعلين أوصلتهم حساسية النقد إلى حالة تجعلهم يرون في المقال جريمة، وفي الرأي خطرا، وفي السؤال مؤامرة!

إن معالجة قضايا الصحفيين خارج قانون الصحافة ليست مجرد سوء تقدير؛ إنها إشارة خطأ في لوحة قيادة دولة تراهن على الحرية والشفافية.
فالكلمة لا تُحاكم جنائيا، والقلم لا يخضع لميزان الجنايات، والصحافة لا تُدار بالشكوى بل بالحوار، لا بالزجر بل بالقانون المتخصص الذي وُضع خصيصا لتنظيم هذا القطاع.

إن المغرب، وهو يبني مستقبله بثبات، لن يكتمل بناؤه إلا بصحافة قوية، حرة، واقفة على قدميها.
وإذا كانت بعض النماذج ومنها نموذج مراكش، تُنذر بوجود من يحاولون كبح هذا المسار، فإن التاريخ علمنا أن الكلمة الحرة لا تُهزم، وأن الشعوب التي ٱختارت طريق الحرية لن تعود إلى الوراء، مهما تعددت الدعاوى ومهما ٱشتدت العواصف.

ويبقى السؤال مفتوحا لكل من يعتبر النقد جريمة:
– من يخشى الكلمة… ولماذا؟

Comments (0)
Add Comment