بقلم الدكتور محمد محاسن- باريس 13/05/2025
في ظل التحوُّلات المتسارعة التي تعرفها المنظومة الأكاديمية، تزداد الحاجة إلى نماذج قيادية قادرة على مواكبة التحديات وتوجيه الطاقات بفعالية. لم تَعُدْ -ومن غير المقبول ولا المعقول- أن تبقى القيادة مرتبطة فقط بالمعرفة أو السلطة الإدارية، بل لا مناص من الوعي بكونها أضحت ترتكز على مهارات أعمق تتعلق بفهم الذات وفهم الآخر، والقدرة على بناء فُرُق متكاملة ومتجانسة تتفاعل فيما بينها بسلاسة وانسجام. في هذا السياق، يبرز دور الذكاء العاطفي والاجتماعي كأدوات حاسمة في تحقيق الأداء الجماعي وبلوغ الأهداف المشتركة.
ففي المؤسسات الأكاديمية التي تتسم بتعَقُّد بِنيتها وتنوع خبراتها، من غير الواقعي أن ننتظر من قائدٍ واحد أن يجسّد جميع أشكال الذكاء البشري. فقد بيّن هوارد جاردنر (1983) أن الذكاء لا يقتصر على بُعدٍ واحد، بل إن له تجليات عدة من بينها : الذكاء اللغوي و المنطقي-الرياضي و الحركي و التفاعلي فالذاتي. إن كل فرد يعمل – على مدار حياته – على تنمية بعض من هذه الأشكال من الذكاء على حساب الأخرى ما يسهم في تفوقها على غيرها، بل إن ذلك قد يؤدي إلى إضعافها وأحيانا حَجْبها، مما يُفضي إلى تكوّن كفاءات متباينة بحسب الاستعداد المرتبط بالكفاءات المنتقاة -عن وعي أو عن غير وعي- من قبل كل شخص على حدة.
إن القيادة الفعالة في السياق الأكاديمي لا يمكن أن ترتكز على التميز المعرفي فقط؛ بل تتطلب امتلاك الذكاء الاجتماعي والعاطفي كركيزة أساسية. . يُعرِّف دانيال جولمان (1995) هذا النوع من الذكاء بكونه القدرة على فهم الذات وإدارة المشاعر، إلى جانب التفاعل الإيجابي والتعاطفي مع الآخرين.
فالقائد الأكاديمي الناجح يتميز بقدرته على تحليل سمات الأفراد وتقييم مستويات كفاءاتهم، فيسند المهام وفقاً لنقاط القوة التي تميز الواحد منهم عن الآخر. وهكذا فإن عملية التفويض تتحول تبعا لذلك من مجرد توزيع للأعباء إلى آلية محفّزة لاكتشاف القدرات وتفعيلها. فالقيادة “هي أن تقوم بما هو صائب وليس أن تقوم بكل شيء بنفسك”
إن تواضع القائد واختياره تبني ما يسمى بالوضع المنخفض “La position basse” يولد لديه الاستعداد للاعتراف بقدرات الآخرين وبالتالي فسح المجال أمامهم لتولي المهام المتخصصة، وفقا لمؤهلاتهم ؛ وهذا ما يرسّخ ثقافة الثقة والتكامل المهني. وقد أشار هنري مينتزبرج (2009) إلى أن: “القيادة الحقيقية لا تقوم على قوة الفرد، بل تنْبني على تناغم الجماعة.”
حين يتم التفويض بِناءً على الكفاءة والتقدير، فإن ذلك يجعل الأفراد يشعرون بالاحترام ما يحفزهم على تقاسم الرؤى وتبني الأهداف والتفاني من أجل بلوغها. فيتحول القائد من منفّذ أوحد إلى مُيسّر يُمكّن فريقه من التقدم بثقة نحو تحقيق النتائج المرجوة.
إن القيادة الأكاديمية المعاصرة تتجسد في القدرة على جمع وتوجيه الذكاءات المتنوعة نحو غايات مشتركة. فمن خلال الإصغاء والتقدير الحقيقي للكفاءات وتعزيز الثقة، ينجح القائد في بناء بيئة محفزة للابتكار والتميز والعمل الجماعي.