ذ.ادريس البوكيلي الحسني
من ثانوية ابن زيدون إلى دروب المسرح والإبداع: تحية وفاء لأستاذين غيّرا مجرى حياتي
بقلم: الإعلامي والسيناريست “أحمد بوعروة”
في ركن الذكريات، حيث تنضج الحكايات الأولى، تقف ثانوية ابن زيدون شامخةً في وجداني، لا كحجرة دراسية فقط، بل كمسرح حقيقي انطلقت منه أولى ملامح وعيي الفني. هناك، كنا شباباً نحمل أحلامنا على ظهور دفاترنا، نبحث عن معنى للوجود في حصة نشاط، أو عرض مسرحي، أو ملاحظة كتبها أستاذ بخط يده.
وفي تلك المرحلة المفصلية، ظهر في حياتي أستاذان ليسا كغيرهما: بوجمعة بوتكورت وإدريس البوكيلي الحسني. لم يكونا مجرد معلمين، بل كانا بوابتين إلى عالم واسع من الفكر والإبداع، من الثقة والجرأة، ومن الحلم والمستقبل.
⸻
بوجمعة بوتكورت… حين يصبح الأستاذ مخرجًا لمسارك
في أيام كنا فيها تلاميذ لا نملك من أدوات المسرح غير الشغف والتجريب، كان الأستاذ بوجمعة بوتكورت يؤمن بنا وكأننا مشروع فني حقيقي. لم يفرض علينا الإطار، بل كان يزرع فينا نبتة السؤال، ويمنحنا الحرية لنخطئ، لنتعلم، ولنبتكر. ذات يوم، كتب مسرحية “المعتوه”، وشهدت عرضها في ساحة الثانوية، من أداء المبدع عبد الهادي لبنين. لم يكن مجرد عرض، بل كان شرارة أولى ألهبت في داخلي الرغبة في الكتابة والتمثيل.
ولم يتوقف دوره عند التأثير غير المباشر. حين عرضت عليه نصي المسرحي “كوميديا الباب المفتوح”، قرأه بعمق الفنان ورؤية المعلّم، فأثنى عليه، وشجّعني، بل تجاوز ذلك إلى أن شارك بنفسه في المسرحية، مجسّداً شخصية غاليليو بأسلوب جعلنا نشعر أن العلم والحرية والفن يمكن أن تجتمع في شخصية واحدة.
لقد تعلمت منه أن المسرح ليس ديكوراً وأداءً فقط، بل هو فكر وشجاعة، وأن التلميذ قد يُصبح يوماً كاتباً إذا وجد من يقول له: “اكتب، وأنا معك.”
⸻
إدريس البوكيلي الحسني… الناقد الذي علّمني كيف أقرأ نفسي
أما الأستاذ إدريس البوكيلي الحسني، فكان وجهًا آخر من وجوه النبل والتميّز. شاعر، وناقد، ومربٍّ، له بصمة لا تُمحى في مساري الإبداعي. لم يكن يقترح علينا كتباً نقرؤها، بل كان يدعونا إلى التأمل والتذوق، إلى فهم النصوص والبحث عن خلفياتها، كما لو أنه يفتح نوافذ جديدة على العالم.
بعد أن شاهد عرضنا المسرحي “كوميديا الباب المفتوح”، كتب مقالة نقدية نُشرت في جريدة البيان. لم تكن مجرد إشادة، بل كانت قراءة فكرية للعمل، سلط فيها الضوء على بنية النص، وعلى رمزية الشخصيات، وعلى ما يمكن أن يتطور فيه المشروع. لقد كان ذلك المقال نقطة تحول… فقد جعلني أؤمن بأن ما أكتبه له قيمة تستحق القراءة والتفكير.
⸻
أساتذة من طينة الكبار
اليوم، بعد سنوات من التجربة في المجال الفني والتلفزيوني، لا زلت أعتقد جازمًا أن كثيرًا من البدايات لا تُنسى، وأن من يقف خلفها يستحق التقدير مدى الحياة. لذلك، أكتب هذا المقال لا لتوثيق تجربة، بل لأقول كلمة وفاء في زمن قد ينسى فيه البعض معنى الأستاذ الحقيقي.
الأستاذ، في تعريفي، هو من يمنحك الثقة قبل المعلومة، ويمنحك الرؤية قبل التقنية.
الأستاذ هو من يراك قبل أن ترى نفسك.
هو من يرافقك صامتاً في كل خطوة، حتى وأنت تصعد على خشبة المسرح أو تتصدر لوحة الإعلانات.
⸻
درس لا يُنسى
من بوجمعة بوتكورت تعلّمت أن الجرأة ليست تهوّرًا، بل موقف.
ومن إدريس البوكيلي تعلّمت أن النقد ليس هدمًا، بل بناءٌ محبّ.
ومن كليهما، تعلّمت أن الإبداع رحلة لا تكتمل إلا بمن يُضيء لك الدرب.
تحية لهما من القلب،
وتحية لكل أستاذ آمن بموهبة تلميذه، فدفعه للأمام بصمت وصدق.
في زمن السرعة والنكران، فلنُعد الاعتبار لصنّاع العقول،
لأن احترام الأستاذ ليس تقليدًا، بل رُقيٌّ أخلاقي لا يقدّره إلا من مرّ من هناك…
من هناك، من ثانوية ابن زيدون.
إلى الفنان :أحمد بوعروة
تحية ود ومحبة تليق بالفنان المبدع والإعلامي الصادق والكاتب والمخرج الكبير الأستاذ أحمد بوعروة العزيز.
قرأت بكثير من التأني والتأثر ما سطرته يداك عن دوري المتواضع في رحلتك الإبداعية، وشعرت بامتنان عميق لهذا الذكر الجميل الذي يحمل في طياته وفاءً نادرا وتقديرا لأثر الفن والنقد في صقل المواهب.
لطالما آمنتُ بأن الإبداع ليس سيرة فردية، بل حوارًا متواصلًا بين الموهبة والتوجيه، بين التجربة والنقد، بين المهتمين بالمجال بل بين كل الفاعلين في إطاره، وما ذكرتَه عن محاولاتي لتشجيعك أو تعاملي مع نصوصك بنظرة نقدية تحليلية، هو في الحقيقة واجب كل من يؤمن بأن الفن رسالة إنسانية قبل كل شيء.
المسرحية التي أشرتَ إليها كانت مثالًا حيًا على جرأتك في طرح الأسئلة المُقلقة بقالب فني مُبتكر، وقد كتبت عنها آنذاك لأنني رأيت فيها بذرة مشروع مسرحي مختلف، يستحق أن يُناقش بجدية. فالنقد ـ في تصوري ـ ليس تقييما جافا، بل هو مرافقة للعمل الإبداعي، إضاءة لجوانبه الخفية، وحافزا لتطويره.
لقد كانت مسرحياتك بل مسرحيات فرقة الأطلس لأنني أعرف أنك كنت تؤمن دائما بإشراك الجميع في كل الأعمال التي تشرف عليها بعيدا عن الأنانية وإيمانا بالعمل الجماعي الهادف. وقد حضرت حصصا من تحضيركم لمسرحية “سفينة الهذيان”
كما أن أعمالك كانت ولاتزال تتجاوز ما هو كائن إلى ما ينبغي، ترتكز على
الإبداع المسرحي الجميل في علاقته بالمجتمع ،لقد كنتَ ـ وما زلت ـ تمتلك نهما للمعرفة وشجاعةً في الاختيار، وهما صفتان لا يُعوَّضان.
في الختام، أشدُّ على يدك كفنان التزم بروح المسرح كفضاءٍ للتساؤل والتغيير، وأشكرك على هذا الوفاء الذي يثلج الصدر،دمتَ مُبدعًا يُشرِّف مسيرة الفن والكلمة، وأبقاك الله ذخرًا للإبداع المغربي الأصيل.
إدريس البوكيلي الحسني
سلا الجديدة 21 أبريل2025