بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
تعرضت الطبقة الوسطى، في السنوات الأخيرة، إلى ضربات قاسية، قلصت من حجمها في جميع دول العالم، من بينها المغرب، وذلك بعد أن عصفت أزمة «كورنا» بمدخراتها، قبل أن يأتي التضخم ليزج بجزء كبير منها في متاهات الفقر، بل الضياع البين أحيانا.
وخير دليل على ذلك، مشاهد صادمة لأسر وجدت نفسها مشردة في الشارع، بسبب فقدان معيليها لمناصب شغلهم ومساكنهم وسياراتهم، إلى غير ذلك من متطلبات العيش الكريم، خاصة في أمريكا، حيث أنظمة الحماية الاجتماعية ضعيفة، بسبب سطوة النظام الرأسمالي.
ودون الخوض في تعريفات هذه الطبقة، لعدم وجود تعريف جامع وشامل، ستكتفي جريدة بيان مراكش بتعريف وجيه لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، الذي صنف هذه الطبقة في منزلة بين بورجوازية تسيطر على وسائل الإنتاج وتستحوذ على فائض القيمة، وطبقة عاملة تشكل المنتج الرئيسي لهذا الفائض، وبذلك يحدد هذا التعريف إحداثيات مكان حساس لطبقة تسعى جاهدة إلى الارتقاء بنفسها إلى جنة الثراء، مقابل الإفلات من السقوط في جحيم الفقر.
ولأهمية هذه الطبقة ودورها، كان الحرص الملكي على تقويتها ثابتا، إيمانا أن نجاح أي نموذج تنموي يتوقف على مدى فعالية دورها في تصميم عمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك السياسي.
ويمثل خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2019 مرجعا مهما يؤكد حرص جلالته على النهوض بأوضاع هذه الطبقة، حيث قال: «المغرب ولله الحمد، بدأ خلال السنوات الأخيرة، يتوفر على طبقة وسطى تشكل قوة إنتاج، وعامل تماسك واستقرار»، مضيفا أنه «يتعين العمل على صيانة مقوماتها وتوفير الظروف الملائمة لتقويتها وتوسيع قاعدتها وفتح آفاق الترقي منها وإليها».
غير أن الحرص الملكي لم تترجمه الحكومة بشكل فعال على أرض الواقع، فأمام تواضع الإجراءات، وجدت الطبقة المتوسطة نفسها في طريق مد جارف لارتفاع تكاليف المعيشة، التقى بتيارات أخرى خارجية، فكانت النتائج كارثية، حيث تهاوى جزء كبير منها ليسقط في عمق طبقة فقراء عريضة، وبالتالي تزايد يأسهم بتزايد عددهم.
ويشهد على الوضع الصعب الذي تعيشه الطبقة الوسطى اليوم مسؤولون في الحكومة وتدعم شهادتهم تقارير مؤسسات وطنية على درجة عالية من النزاهة والاستقلالية.
في شهر يناير الماضي، تكلم وزير التجهيز والماء، نزار بركة، عن تدهور الطبقة الوسطى، في كلمة بمناسبة تخليد ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، واستعمل الوزير في توصيف حالها كلمات واضحة، حيث أشار إلى أن هذه الطبقة «تم سحقها»، وهو تعبير قوي يعكس فقدانها القدرة على تلبية احتياجاتها الأساسية بسبب الفوارق الاجتماعية المتزايدة، وارتفاع الأسعار، وكذلك الانخفاض الكبير في دخل الأسر.
وفي لحظات أقوى، سجل بركة أن هذه الطبقة تعيش اليوم خوفا من التفقير بل الاندحار، خصوصا بعد تحرير الأسعار، وارتفاع تكاليف العيش في جل مجالات التعليم الخاص والصحة والسكن والنقل… وذلك قبل أن يختم المسؤول الحكومي بالقول: «هذه الفئة التي تشكل قوة إنتاج وعامل تماسك واستقرار أصبحت مضطرة للخروج من المدن التي تشتغل فيها من أجل التوفر على سكن لائق، إضافة إلى معاناتها مع كثرة القروض وتكاليفها الباهظة».
بدورها، كشفت المندوبية السامية للتخطيط، في بحثها الوطني حول مستوى معيشة الأسر المغربية الأسبوع الماضي، أن الخاسر الأكبر من ثمرات النمو ومن سياسات إعادة التوزيع المعتمدة هي الطبقة المتوسطة بعد أن تراجع مستوى معيشتها بنسبة 4.3 بالمائة بين 2019 و2022، في وقت شهدت الفئات الأكثر فقرا والفئات الأكثر يسرا تحسنا عاما في مستوى معيشتها.
ويتضح من خلال البحث أن الطبقة الوسطى وحدها من تؤدي فاتورة الأزمات، بحكم انخراطها الكبير في دورة الاقتصاد والحفاظ على توازن المجتمع، لذلك ساء وضعها، في حين أن جزءا كبيرا من طبقة الفقراء والأغنياء تحسن وضعهم، وذلك بسبب اقتصاد الريع والاقتصاد غير المهيكل، الذي جعل العبء الأكبر يقع، بشكل غير منصف، على كاهل طبقة واحدة.
خلاصة القول، تبقى الطبقة الوسطى الوحيدة القادرة على تقويم زيغ الرأسمالية المالية من جهة، ومن جهة أخرى، مرشحة أكثر من غيرها للتعبير عن هموم الطبقة الفقيرة ومآسيها، لكونها طبقة متعلمة، فلابد من مزيد اهتمام، لكونها ضامنة لتوازن صعب، بدونه يتهاوى كل شيء. ولجريدة بيان مراكش العودة إلى الموضوع لاحقا وبمعطيات جديدة تستحق النشر والإهتمام .
” جريدة بيان مراكش تتمنى لكم رمضان مبارك كريم “