السياسة بين منطق الإستحقاق ومنطق الإقتحام!…

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

لم تعد الإشكالية اليوم في من يدخل معترك السياسة، بل في الكيفية التي يعاد بها تشكيل هذا المجال الحيوي، حتى صار أقرب إلى فضاء بلا ضوابط واضحة، ولا معايير صارمة تميز بين من يملك الأهلية ومن يفتقدها.

إن التحولات التي يعرفها المشهد السياسي في السنوات الأخيرة تطرح أسئلة عميقة حول معنى التمثيلية، وحدود المسؤولية، وموقع الكفاءة في معادلة الوصول إلى مواقع القرار.

فالأمر لم يعد مرتبطا بتجدد النخب أو توسيع قاعدة المشاركة، وهي أمور صحية في جوهرها، بل بات يلامس حدود الإنفلات حين يغيب الحد الأدنى من التأهيل، ويستبدل بمنطق الحضور العابر أو الشعبية الظرفية.

 

ليس النقاش هنا موجها ضد الأشخاص أو خلفياتهم الإجتماعية أو المهنية، فالمجتمع بطبيعته متنوع، والسياسة في أصلها يجب أن تعكس هذا التنوع، غير أن التمثيل لا يعني بأي حال من الأحوال التخلي عن شروط الجدية والقدرة على الإسهام الفعلي في تدبير الشأن العام.

فهناك فرق جوهري بين أن تكون قريبا من الناس، وأن تكون قادرا على خدمة مصالحهم ضمن مؤسسات معقدة تتطلب فهما عميقا للقانون والإقتصاد وآليات الحكامة.

ما يثير القلق حقا هو أن يتحول الولوج إلى السياسة إلى خيار بديل، أو ملاذ مريح لمن يبحث عن موقع يوفر الإمتياز دون أن يحمل صاحبه تبعات المسؤولية.. حينها، لا تعود السياسة أداة للإصلاح، بل تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الإختلالات نفسها التي يفترض فيها أن تعالجها.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس الإختلاف أو حتى الصراع، بل فقدان الثقة.

وحين يبدأ المواطن في النظر إلى المؤسسات بٱعتبارها فضاءات مفتوحة لكل الإحتمالات، دون تمييز بين الجاد والعابر، فإن ذلك يضعف الإيمان بجدوى المشاركة، ويعمق فجوة العزوف، ويترك المجال فارغا أمام مزيد من الرداءة.

 

السياسة ليست مجرد حضور، ولا خطابا شعبويا، ولا وعدا عابرا في موسم ٱنتخابي…

إنها ٱلتزام طويل، ومسؤولية ثقيلة، تتطلب وعيا، وتجربة، وقدرة على ٱتخاذ القرار في لحظات دقيقة.

ومن دون ذلك، يصبح الحديث عن التمثيلية مجرد واجهة، لا تعكس حقيقة ما يجري في العمق.

 

إن الحاجة اليوم ليست إلى إقصاء أحد، بل إلى إعادة الإعتبار لمفهوم الإستحقاق، وترسيخ ثقافة تربط بين المسؤولية والكفاءة، وبين التمثيل والقدرة على الإنجاز.

فبقدر ما نفتح المجال للمشاركة، يجب أن نحصن هذا المجال من كل ما قد يفرغه من معناه.

في النهاية، لا يمكن بناء ثقة دائمة دون قواعد واضحة، ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون نخب قادرة على حمله. فالمسألة لم تعد من يدخل السياسة، بل كيف نحميها من أن تفقد جوهرها.

Comments (0)
Add Comment