بقلم : هشام الدكاني
لمهنة الصحافة خصوصية كبيرة تختلف عن باقي المهن الأخرى كونها تخاطب العقول بمختلف مستوياتها ، فهي الكلمة المطبوعة الموثقة والمقرؤة التي يطالع القراء كل يوم مختلف أنواع مقالاتها وأعمدتها وتحقيقاتها وأخبارها ، فضلا عما تحتويه الجريدة من أبواب ثابتة وغير ثابتة وترجمة وتقارير وغيرها من الفنون الصحفية المختلفة.
وإن من أهم السمات التي يجب أن يتصف بها الإعلامي بشكل عام ، المصداقية وكشف الحقائق بصورة دقيقة و نقلها إلى الجمهور بشكل واقعي دون التضليل في المعلومات التي ليس لها علاقة بالحدث ، ويكمن دور الإعلام في كشف الحقائق وتثبيتها وتعزيزها ، و أيضاً قد يغيرها و يوظفها في مواضع غير حقيقية ، لأن للإعلام مقدرة كبيرة على تزوير الحقائق لتصب لصالح جهة أو ٱتجاه ما ، فهو لم يعد كما كان في السابق مجرد خطاب بين فئتين ، بل أصبح شريكا واضحا في صياغة الأحداث ، وتطويرها إلى وقائع وتصحيح مسار ٱتجاهاتها.
لقد تطورت أشكال التضليل ووصلت إلى تزييف ٱهتمامات جمهور مواقع التواصل نفسها ، وذلك عن طريق شن حملات ممنهجة بأساليب تقنية لتزييف نتائج الرأي العام بهدف تضليل العامة.
فبطبيعة الحال تتناسب زيادة الوعي بأهمية التحقق من الأخبار المتواردة طرديا مع تنامي سلوك فريد من نوعه في التضليل يتمثل في فبركة معلومات أو دلائل بغرض إثبات عدم صحة حقائق منشورة سابقا أو لاحقا ، وهذا السلوك يصعب عملية تدقيق الحقائق ، ويمكن أن يمتلك طرفان قوتي تأثير للتضليل بين الأشخاص.
و أدوات ووسائل التضليل عديدة ، ولم تعد مقتصرة على أحد بعينه ، فقد تمتلكها جهات أو مجموعات أو أفراد ، وقد ساهم ٱنتشار وتنوع مواقع التواصل في تداول تأثير أدوات التضليل بين الأشخاص ، فأفرزت من أصبحوا يسمون “مؤثري مواقع التواصل ” ، الذين باتوا تحت ضغط الإلتزام بٱستمرارية النشر ، فضلا عن كون أغلبهم ليست لديه مهارة التحقق من سبل الأخبار المتدفقة يوميا ، فيضطر إلى أن يشارك في عجلة تداول الأخبار الزائفة حتى وإن كان ذلك على حساب التحقق مما ينشر أو يذاع عبر الحسابات ، وهنا أستحضر الإنتقادات اللاذعة التي تحدث عنها الفيلسوف الإيطالي ” أمبرتو إيكو ” لمواقع التواصل الإجتماعى قائلا:
” إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى ، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ ، من دون أن يتسببوا في أي ضرر للمجتمع ، وكان يتم إسكاتهم فورا ، أما الآن فلهم الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل ، إنه غزو البلهاء “.
مهنة الصحافة لا يمكن فيها إمساك العصى من الوسط ، فهي مهنة تفرض فيها الأخلاق والمبادىء لنقل الحقيقة ، مهنة تكون فيها كصحفي الشاهد الأول لقول الحقيقة للقارىء أو المتلقي ، بل هي السلطة الرابعة التي تساعد في ٱزدهار أو فشل الأنظمة ، فيها طلقة القلم أقوي من طلقات المسدسات ، بل مهنة تفرض عليك خيارات كثيرة ، منها إما أن تكون في الأعلى خدمة للسلط ومسؤوليها ، لتمارس مهنة تزيف وعي البشر والتلاعب بالعقول ، أو تحت مع عامة الشعب كلسان حالهم ، تعبر عن معاناتهم وتنور دروب عقولهم.
لكننا اليوم أصبحنا نعيش كذبة كبرى عبر مايسمى ب: ” إعلام الوجهين ” التي يتخذ من الربح المادي هدفا ساميا من أجل الرقي والإرتقاء ، على حساب الحقيقة وأوضاع المواطن الضعيف ، فضلا عن مواقع التواصل الإجتماعي بشتى أنواعها التي أصبحت ملاذا لتفريغ المكبوثاث والأفكار المسمومة في وجه جميع الشرائح الإجتماعية بمختلف أصنافها ، مما ينذر بكوارث نفسية وٱجتماعية في القريب العاجل ، وهذا كله تحت شعار: ” الحرية والديمقراطية ” اللتان تم ٱسغلالهما بشكل منحرف عن مبادئهما وأصولهما وخلفياتهما…
في ٱنتظار بزوغ فجر الغد من أجل إعلام راقي وواضح ، ومواطن مسؤول ذو عقل لبيب.