✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في مغربنا الجميل ، بلد الإستثناء الديمقراطي ، والعدالة المجالية ، والمؤسسات القوية ، قررت الأغلبية الحكومية (حفظها الله من الشعب) ، أن تقوم بعمل تاريخي:
«تجريم التبليغ عن الفساد إذا صدر من جمعيات المجتمع المدني!».
نعم لا تستغرب ، فالمشكلة في نظرهم ليست في من ينهب المال العام ، ويوقع الصفقات المشبوهة ، ويمتص دماء المواطنين بٱسم «التنمية»… بل المشكلة في ذلك الجمعوي المتطفل ، الذي يُفسد عرس الفساد بتقرير أو شكاية ، فيسقط القناع عن مهرّج بربطة عنق يتقن فن الإبتسامة والتمويه.
وزير العدل ، تقدم بمشروع قانون يبدو للوهلة الأولى بريئا ، يتحدث عن «الوشاية الكاذبة» و«تنظيم المساطر» ، لكن في العمق ، هو مسودة صمت ، وقانون خياطة للأفواه ، وسياج شائك يمنع المواطن والجمعية من أن تقول: (فلان سرق) ، إلا إذا مرّت من باب العدالة الرسمية ، والتي كما نعلم ، طريقها طويل حين يتعلق الأمر بالحيتان الكبيرة!
– ألم نقل من قبل إننا بلد العجائب؟
لكننا لم نكن نعلم أن الدفاع عن المال العام سيصير جريمة ، بينما السرقة ذكاء ، والنهب ٱجتهاد سياسي مشروع!!
حقا ، عجبت لك يا زمن!!!
من يُفترض فيهم حماية الوطن ، باتوا يبحثون عن طريقة لإسكات من يدافع عنه ، وكأنهم يقولون:
«دعوا السراق يسرقون في هدوء ، فلا شيء يفسد متعة النهب أكثر من فوضى التبليغ وضجيج الجمعيات».
إنه قانون (تأديب المجتمع المدني) ، وتقليم أظافره ، لأنه بات يزعج.
جمعيات جادة رفعت دعاوى ، وكشفت ملفات ، وفضحت سماسرة السياسة… فقررت الحكومة أن تُعيدها إلى بيت الطاعة ، وتلقنها درسا في (أخلاق المواطنة) حسب قاموسها الخاص.
الرسالة وصلت:
«من اليوم فصاعدا ، التبليغ عن الفساد ٱختصاص حصري ، تماما كبيع المحروقات ، وتوزيع المناصب ، وتبرئة اللصوص…أما الشعب؟ فعليه أن يتفرج ، ويدفع الضرائب ، ويصفق في الإنتخابات».
لكن ، ورغم القوانين المعلبة ، ورغم الجوقات التي تُطبل للإجهاز على ما تبقى من ضمير ، سيبقى صوت الحق يزعج ، وستظل الضمائر الحية تبلغ ، وتكتب ، وتفضح… حتى وإن كتبوا على أبواب المحاكم:
«ممنوع التبليغ… ٱحتراما للشفافية!».