بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
أبان إصرار الناس على إقامة شعيرة ذبح أضحية العيد، رغم سنوات الجفاف القاسية، على أن هناك أموالا ضخمة متخفية في أماكن مظلمة، لا ترى النور إلا في المناسبات.
كما كشف تهافت الناس على «الحولي ودوارته» إن الأموال المتحصل عليها من «لانفورميل» لعبت دورا كبيرا في ذلك الرواج المفرط، رغم الأزمة الضاربة بأطنابها في المجتمع.
لقد أظهر ذلك الرواج أن المغاربة يخرجون سيولة كثيرة من الدورة الاقتصادية ولا يستعملونها إلا في المناسبات، والدليل على ذلك التسوية الطوعية، التي قادتها الحكومة نهاية السنة الماضية، والتي كشفت عن أرقام ضخمة للمبالغ التي تم التصريح بها، حيث تجاوزت 100 مليار درهم.
كما أزال العيد القناع عن نفاق اجتماعي غير مسبوق، حيث الناس يتحدثون عن أزمة خانقة، في حين أن مخازنهم السرية ممتلئة، وذلك في مفارقة غريبة وعجيبة تؤشر على أن المجتمع يعيش تناقضات قاسية، بسبب مرحلة فراغ بين قديم يجدد دائما الحياة داخل جثته، وجديد لم يولد بعد، وفي ظل هذا الفراغ تظهر أعراض تكون أحيانا صادمة.
ومن بين ماتم كشفه هو ما يحدث هذه الأيام من ممارسات ؛ أن سلوك الناس تغيرت فجأة بانتقالهم من فقراء يعانون شظف العيش إلى أغنياء يتنعمون في الخيرات العميمة، بعد أن تفتحت «كنوز علي بابا» المرصودة لـ«دواير الزمان»، والبعيدة عن عيون الأبناك و«الحاسدين»، لتقلب الصورة تماما، بخلق طوابير طويلة أمام الجزارين والبلبلة في الأسواق من أجل كبش، أو خروف، أو عجل، أو دوارة، أو ما شابه ذلك، وليذهب القطيع الوطني إلى الجحيم.
سعي الناس المحموم وراء شهواتهم حصر الفقراء الحقيقيين في الركن، فهؤلاء الذين أثلج القرار الملكي الداعي لعدم إقامة شعيرة ذبح الأضاحي صدورهم، بعد أن خفف عنهم عبئا ثقيلا تفرضه العادات الاجتماعية، أكثر مما يمليه الدين، وقفوا منبهرين وهم يشاهدون حجم هذا الجنون، الذي أوقدته خزائن الناس القديمة التي فضحت ثراءهم المتخفي وتذمرهم الذي لا ينتهي.
ما يجري اليوم، من هرولة وتهافت على اللحم، ومن طوابير أمام محلات الجزارة، وازدحام في الطرقات، واكتظاظ في الأسواق يعد مؤشرا حقيقيا، على أن الوضعية المادية لأغلب المغاربة مريحة، وأن عدد الفقراء الحقيقيين قليل، ومظاهر الفقر التي تراها العين المجردة خادعة، وهذا ما ذهبت إليه المندوبية السامية للتخطيط، والتي أفادت أن الفقر متعدد الأبعاد سجل تراجعا ملحوظا في المغرب بين سنتي 2014 و2024، حيث انخفضت نسبة السكان في وضعية الفقر من 11,9٪ إلى 6,8٪.
وجاء في تقرير «خريطة الفقر متعدد الأبعاد»، برسم الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، أن عدد الفقراء تقلص من حوالي 4 ملايين إلى 2,5 مليون نسمة.
خلاصة القول، يظل الاقتصاد غير منظم، بمعناه الواسع، ظاهرة مستعصية في المنظومة الاقتصادية المغربية، ومصدر قلق، حيث يصل حجمها إلى نحو 30 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي حسب معطيات بنك المغرب، وبمقابل ذلك تذهب تقديرات المؤسسات الوطنية الدولية إلى أن نسبة تتراوح بين 60 و80 في المائة من الساكنة النشيطة المشتغلة بالمغرب تزاول أنشطة تندرج ضمن الاقتصاد الغير المنظم، وهو ما يحرم الدولة من موارد جبائية كبيرة، كما يساعد طبقات اجتماعية على مراكمة ثروات مهمة. وبمقابل ذلك يزداد وضع الطبقة الوسطى سوءا بسبب التزاماتها ومساهماتها في الدورة الاقتصادية، وبذلك فهي تحتاج إلى عناية متزايدة من قبل الدولة، باعتبار أنها صمام أمان المجتمع.