في مشهد بات يتكرر على منصات التواصل الإجتماعي ، تخرج أمهات مغربيات باكيات ، صارخات ، محملات بنبرة قهر وٱستعطاف ، ينددن بأحكام قضائية صدرت في حق أبنائهن ، بعضهم أدينوا بعشر سنوات سجنا أو أكثر بتهم تتعلق بالسرقة ، الضرب ، الجرح ، وجرائم أخرى تمس سلامة المواطنين وأمن المجتمع…
هؤلاء الأمهات لا يعترضن على الجرم ، بل على العقاب! ، مطالباتٍ بمراجعة الفصل 507 من القانون الجنائي المغربي ، والذي ينص على عقوبات صارمة في حال الإعتداء والسرقة المقرونة بالعنف.
لكن السؤال المؤلم والعميق هو:
– أين كانت هذه الأمهات حين كان أبناؤهن يصولون ويجولون في الأزقة حاملين السكاكين ، باحثين عن ضحية ينهبونها أو يعتدون عليها؟!
– أين كانت رقابتهن؟ أين نصائحهن؟ أين ذاك الحنان الذي كان يجب أن يُترجم إلى تربية صارمة وغرس للقيم لا إلى بكاء على أطلال ضياع ساهمن فيه؟!
لا أحد ينكر أن حب الأم فطري ، عظيم ، ومقدّس… لكن ، حين تتحول الغريزة إلى سلاح يُشهر ضد الضحايا ، وتصبح دموع الأم وسيلة للوي ذراع العدالة ، فالمعادلة تنقلب ، والحق يُسحق تحت وطأة العاطفة المفرطة.
حين تطالب أمٌ بإطلاق سراح ٱبنها المعتدي ، متجاهلة دم المجني عليه ، أو عاهته ، أو خوفه… فهي بذلك لا تطالب فقط بالرحمة ، بل تطعن في العدالة ، وتنكر معاناة الآخرين!!
الأم التي تبرر فعل ٱبنها الإجرامي ، هي ذاتها التي غابت في لحظاتٍ كان يفترض أن تكون حاضرة.
التربية ليست مجرد إطعام وإيواء ، بل هي بناءُ ضميرٍ ، وتعليمُ مسؤوليةٍ ، وزرع قيم أخلاقية وترسيخُ معنى الحدود والحق.
– فهل يمكننا الحديث عن براءة أم أمام مشهد ٱبنٍ مدمنٍ على العنف ، لا يعرف معنى الحرمة أو الكرامة الإنسانية؟
من جهة أخرى ، هذه الظاهرة تعكس فشلا أعمق ، مجتمعيا وتربويا ، حيث تسود ثقافة (ولدي مظلوم) على حساب السؤال الأهم:
– ماذا فعل ولدي؟
إنها صورة من صور الفردانية المرضية ، حيث يتحول القريب إلى مَلاك مهما فعل ، ويغدو الآخر عدوا حتى وهو ضحية!!!
ولا يمكن تجاهل الجانب الإعلامي هنا ، إذ تسارع بعض الصفحات إلى ترويج هذه الخطابات دون تمحيص ، وتكتفي بنقل دموع الأمهات دون فتح ملفات الضحايا ، ما يكرّس صورة مغلوطة عن الظالم والمظلوم ، ويدفع الرأي العام إلى التعاطف الخاطئ.
ومن السلوكات المشينة وغير المقبولة التي باتت تتكرر كذلك ، هو طلب (التنازل) من الضحية لصالح الجاني!!!
هذا السلوك الغريب والمرفوض أخلاقيا ، يُمارَس في كثير من الحالات تحت ضغط العاطفة أو الإستعطاف ، بل أحيانا عبر تهديدات مبطنة أو مباشرة… مشهد أمّ تقبّل يدي الضحية أو تتوسل إلى عائلته كي (يسامح) الجاني ، يحوّل الجريمة إلى سوء تفاهم ، ويُسقط من الحساب مشاعر الضحية وحقه في الإنصاف.
– لكن عن أي تنازل نتحدث؟
– عن عينٍ فُقئت؟!
– عن يدٍ بثرث؟!
– عن فتاة ٱغتصبت؟!
– عن صدمةٍ نفسية مزمنة؟
فحين يُطلب من الضحية أن يتنازل ، فإننا بذلك نشجعه على (السكوت) ، ونشجع الجاني على )إعادة الفعل). إنها ثقافة الإفلات من العقاب في أبشع صورها ، وهي دعوة غير مباشرة لتكرار الجريمة.
فالجاني الذي يخرج دون حساب ، يعود إلى الشارع أقوى ، وأكثر ٱحتقارا للناس وللقانون.
هذا الطلب في حقيقته ، يُجرّم الضحية مرتين:
1/ مرة حين يُعتدى عليه.
2/ ومرة حين يُجبر على مسامحة من ظلمه.
أما العدالة ، فتصبح حينها هشّة ، ويفقد الناس ثقتهم في مؤسسات الحماية ، ويبدأون في أخذ حقهم بأيديهم.
المجتمع لن ينهض ما لم نضع ميزانا حقيقيا بين العاطفة والمسؤولية ، بين الحب والعدالة ، فحب الأم لا يبرر تمزيق جسد آخر ، ولا يبيح سرقة ، ولا يشرعن الفوضى… بل إن أعظم أشكال الأمومة هو أن تقول الأم لابنها:
«أخطأت ويجب أن تُحاسب لتنال جزاء فعلك»
ختاما ، مراجعة القوانين واجبة حين تظلم ، لكن حين تكون العدالة مصدومة ، فالواجب أن نراجع أنفسنا لا نصوصنا.
ومحاسبة المجرمين ليست قسوة ، بل حماية للبقية.
«ولي دار الذنب.. يستاهل العقوبة».