يَلجأ عدد غير قليل من مستعملي الطريق إلى استعمال الإشارات الضوئية لتنبيه السيارات القادمة، إما بسبب السرعة المفرطة، أو لإعلامها بوجود سد إداري أو قضائي (الباراجات)، سواء كان تابعًا للأمن الوطني أو للدرك الملكي، بدافع حثّ السائقين على تخفيض السرعة والانتباه.
في ظاهره، يبدو هذا السلوك لدى الكثيرين تصرفًا حسن النية، بل ويُنظر إليه أحيانًا كنوع من “التضامن الطرقي بين بعضنا البعض”، غير أن حقيقته تحمل مخاطر جسيمة قد لا ينتبه إليها أغلب مستعملي الطريق.
ذلك أن السائق الذي يقوم بتنبيه غيره بواسطة الإشارات الضوئية يجهل تمامًا هوية من يقود المركبة القادمة، كما يجهل الغاية أو الظرف الذي يوجد فيه هذا الشخص. فقد يكون المعني بالأمر تاجر مخدرات، أو شخصًا فارًا من مسرح جريمة، أو شخص موضوع مذكرة بحث وطنية أو دولية، أو متورطًا في حادثة سير مع الفرار، أو يقود مركبة مسروقة، أو حتى ينتمي إلى شبكة إجرامية ارتكبت أفعالًا خطيرة في حق الغير، أو…
وانطلاقا من هذه الحالات وأخرى، تتجلى لنا بجلاء خطورة هذا السلوك، إذ إن التنبيه بوجود نقطة مراقبة أمنية قد يتيح لهذا الشخص فرصة تغيير مساره أو العودة أدراجه تفاديًا لإلقاء القبض عليه، وهو ما يشكل بشكل غير مباشر عرقلة لعمل السلطات الأمنية والقضائية، والمساهمة ولو بحسن نية في إفلات مشتبه فيهم من المراقبة أو التوقيف.
كما أن هذا التصرف، وإن كان يُبرَّر أحيانًا بالرغبة في تجنيب السائقين تحرير مخالفات مرورية، فإنه لا يحقق الغاية الحقيقية من المراقبة الطرقية، والمتمثلة أساسًا في تقويم سلوك مستعملي الطريق، وضمان احترام القانون، وحماية الأرواح والممتلكات.
صراحة، كيف يمكننا الحديث عن تقويم السلوك والردع الوقائي، إذا كنا ننبه السائق فقط لوجود السد، لا لخطورة الفعل المرتكب؟ وهل يؤدي ذلك فعلًا إلى ترسيخ ثقافة احترام قانون السير، أم أنه يكرّس التحايل عليه؟
إن احترام قانون السير لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بوجود السدود الأمنية فقط، بل يجب أن يكون سلوكًا دائمًا نابعًا من وعي ذاتي بخطورة الطريق، وبالمسؤولية المشتركة في الحفاظ على السلامة العامة. فالمخالف الذي يلتزم فقط عند وجود المراقبة، سرعان ما يعود إلى المخالفة بمجرد تجاوزها، وهو ما يُفرغ فلسفة الردع من مضمونها، كذلك بالنسبة لسائق الدراجة النارية الذي يرتدي خوذة الرأس فقط لتجنب توقفيه من طرف شرطي المرور، لا من أجل سلامته.
وانطلاقًا من هذا الوعي، فإن السلوك السليم لمستعملي الطريق لا يتمثل في تبادل الإشارات الضوئية للتحذير من نقاط المراقبة، وإنما في الالتزام الدائم بقواعد السير، واحترام السرعة القانونية، وتفادي كل ما من شأنه تعريض النفس أو الغير للخطر.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أُوجّه كل عبارات الاحترام والتقدير لعناصر الأمن الوطني والدرك الملكي، المرابطين بمختلف نقاط المراقبة عبر ربوع المملكة المغربية، خصوصا في هذه الظروف المناخية الصعبة، نظير ما يبذلونه من مجهودات جسيمة في سبيل حماية الأمن العام، وضمان سلامة مستعملي الطريق، وتكريس سيادة القانون.
يوسف بنشهيبة باحث في العلوم الجنائية والأمنية