أزمة النظافة بالمنارة… إختلالات تهدد بقرارات حاسمة

م.س : بيان مراكش

لم تعد النظافة اليوم مجرد خدمة حضرية تؤطرها مقتضيات تقنية وإجراءات تنفيذية، بل أضحت مؤشرا حقيقيا على جودة الحكامة الترابية وفعالية السياسات العمومية في المدن الكبرى، وفي قلب مدينة مراكش، التي تشكل واجهة سياحية وروحية للمملكة المغربية الشريفة ، وتبرز مقاطعة المنارة كأحد الفضاءات الحضرية التي تعكس بوضوح حجم التحديات المرتبطة بتدبير قطاع النظافة في ظل تحولات سريعة يشهدها دفتر التحملات بعد تعديله.

فبين طموح المجلس الجماعي في الارتقاء بجودة الخدمات، ومسؤوليات الشركة المفوض لها في تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، يظهر تفاوت ملحوظ بين ما هو مخطط له وما هو متحقق فعليا ،هذا التفاوت لم يغب عن أنظار ولاية جهة مراكش آسفي بقيادة الوالي الدكتور رشيد بن شيخي، الذي يولي الملف عناية خاصة إدراكا منه بأن حماية البيئة وصون الصحة العامة ليست ترفا حضريا بل ضرورة إستراتيجية لضمان إستدامة التنمية الحضرية وتعزيز إشعاع المدينة عالمياً، غير أن الإشكال المطروح اليوم يتجاوز حدود الجانب التقني ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بمدى قدرة نموذج التدبير المفوض على مواكبة التحولات البيئية والانتظارات المجتمعية، في ظل دعوات متزايدة لإرساء مقاربة شمولية تشاركية تجعل من النظافة قضية وعي جماعي ومسؤولية مشتركة بين مختلف الفاعلين.

غير أن واقع النظافة بمقاطعة المنارة يكشف عن إختلالات بنيوية في آليات التدبير المفوض، حيث إن الشركة المكلفة لم تتمكن بعد من ترجمة المقتضيات المعدلة لدفتر التحملات إلى نتائج ملموسة تعكس حجم التطلعات المعلقة على هذا القطاع ، ويظهر ذلك جليا في إستمرار بعض النقاط السوداء وإنتشار النفايات في أحياء متعددة، مما يؤشر على قصور واضح في الحكامة التشغيلية وضعف في مواكبة التغيرات التقنية والبيئية التي فرضتها المرحلة الجديدة.

وقد حاول المجلس الجماعي، من خلال التعديلات التي أدخلها على دفتر التحملات، الدفع في اتجاه تحديث مقاربة النظافة عبر فرض معايير أكثر صرامة في ما يتعلق تحسين آليات جمع النفايات، وتعزيز المراقبة، غير أن غياب خطة واضحة لدى الشركة المفوضة لمواكبة هذه المستجدات جعل التحديات أكبر من المتوقع، وهو ما دفع ولاية جهة مراكش آسفي إلى الانخراط بفاعلية في تتبع تفاصيل الملف، حيث وضعت نصب أعينها هدف تأمين بيئة حضرية سليمة تحافظ على جمالية المدينة ورونقها السياحي وتستجيب لانتظارات الساكنة.

وقد اضطلع السيد الوالي الدكتور رشيد بن شيخي بدور محوري باعتباره فاعلا مؤسسيا أساسيا في تدبير هذا الملف الحساس، حيث يعمل على تعزيز آليات الرقابة الميدانية وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بما يضمن التقيد الصارم بمقتضيات دفتر التحملات في صيغته المعدلة كما يسعى إلى تأسيس نموذج متجدد لإدارة قطاع النظافة يقوم على الجودة والاستدامة كخيارين إستراتيجيين ، بما ينسجم مع طموح مراكش في ترسيخ مكانتها كمدينة عالمية تجمع بين جاذبيتها السياحية وقوة نموذجها الحضري.

كما أصبح المجتمع المدني بدوره شريكا لا غنى عنه في حماية البيئة وتعزيز ثقافة النظافة، حيث ساهم في رصد الاختلالات الميدانية ونقل انشغالات الساكنة إلى صناع القرار ، وهو ما يفرض توسيع نطاق المقاربة التشاركية لتشمل تصميم السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها، بما يجعل التدبير أكثر شفافية وفاعلية.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي تصور مستقبلي لإدارة ملف النظافة بمقاطعة المنارة يستوجب تفعيل آليات المراقبة الصارمة لضمان التزام الشركة المفوضة بمقتضيات دفتر التحملات، إلى جانب تثمين جهود ولاية الجهة التي تبذل قصارى جهدها لتجاوز هذه التحديات ، كما يتطلب الأمر تعزيز الاستثمار في البنية التحتية البيئية واعتماد تكنولوجيا متطورة ترفع من كفاءة تدبير النفايات وتحد من إنعكاساتها السلبية على الصحة العامة والفضاءات المشتركة.

إن رهان النظافة اليوم لم يعد رهانا تقنيا فقط، بل أصبح مسألة مرتبطة بسمعة المدينة وتنافسيتها على المستويين الوطني والدولي، وهو ما يجعل التنسيق بين السلطات العمومية والمنتخبة والشركة المفوض لها تدبير القطاع خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، في أفق إرساء نموذج حضري أكثر توازنا، يضع البيئة في صميم السياسات العمومية ويحفظ حق الساكنة في العيش في فضاء نظيف وآمن.

وأمام إستمرار مظاهر القصور في تدبير قطاع النظافة بمقاطعة المنارة، يبدو أن مستقبل العلاقة التعاقدية بين المجلس الجماعي والشركة المفوض لها أصبح رهينا بمدى إلتزام هذه الأخيرة بتنفيذ المقتضيات الواردة في دفتر التحملات المعدل وتقديم خدمات تواكب الطموحات التنموية للمدينة… فولاية جهة مراكش آسفي، تحت إشراف الوالي الدكتور رشيد بن شيخي، تتابع هذا الملف بحزم ومسؤولية، مع الحرص على ضمان احترام القوانين والالتزامات التعاقدية بما يصون المصلحة العامة ويحمي الحق الدستوري في بيئة سليمة ،وفي حال إستمرار التعثرات، لن يكون أمام السلطات الوصية والمجلس الجماعي سوى تفعيل المقتضيات القانونية، بما في ذلك إمكانية فسخ العقد كخيار إستراتيجي يهدف إلى البحث عن نموذج أكثر نجاعة وملاءمة لتطلعات رعايا أمير المؤمنين فمدينة مراكش بما تحمله من رمزية وطنية وإشعاع عالمي، لم تعد تقبل حلولا ترقيعية أو تدبيرا تقليديا لقضية بحجم قطاع النظافة ، بل باتت بحاجة إلى رؤية متقدمة تضع الجودة والاستدامة في صلب السياسات الحضرية .

 

Comments (0)
Add Comment